سيسأل قوم ما الحجيج ومكة
كما قال قوم ما جديس وما طسم
الفصل العاشر
| الأدب والعلم
مرت كلمة الأدب والعلم في اللغة العربية في أدوار عدة؛ استعملوا كلمة الأدب أحيانا فيما يرقي الخلق ويهذب النفس، واستعملوها أحيانا بمعنى أوسع، حتى عدوا أفحش شعر لجرير والفرزدق والأخطل أدبا، وعدوا خمريات أبي نواس وغلمانياته أدبا، كما يعد الفنان بعض الصور فنا وإن كانت صورة لوضع مستهجن أو فعل فاضح.
وكذلك الشأن في كلمة العلم؛ كانوا أحيانا لا يستعملونها إلا في العلم الديني، ثم توسعوا في معناها حتى شمل كل ما ينتجه العقل والفن.
وفي العصور الحديثة فرقوا بين الأدب والعلم، ورسموا لكل دائرة، ومن ثم كانت الصحيفة أو المجلة أحيانا أدبية، وأحيانا علمية، وأحيانا أدبية علمية، وأصبح من المضحك أن نقول علم الأدب؛ لأن العلم غير الأدب، وأصبح لدينا من يسمى «أديبا» فلا يكون عالما، وعالما فلا يكون أديبا، وقد يكون أديبا عالما، ولكن كلمة «عالم» الأزهرية إنما اشتقت من العلم بالمعنى الواسع الذي يشمل الأدب والعلم معا.
وبعد، فما الفرق بين العلم والأدب، وما الذي يجعل الأدب أدبا والعلم علما؟
الحق أن كلمة الأدب والعلم من الألفاظ الغامضة التي نفهمها نوعا من الفهم، فإذا أردنا تحديدها حرنا في أمرها؛ كالجمال والعدل والخيال والحرية والعبودية، وإذا سألنا - حتى الخاصة - في معناها أجاب كل حسب ميوله وأغراضه وحسب طبيعة فهمه للكلمة.
هناك أشياء لا نشك في أنها علم أو أدب؛ فلو سئلت عن نظريات الهندسة وقانون اللوغارتمات وقوانين الحساب والطبيعة والكيمياء فذلك علم بالبداهة، وإذا سئلت عن قصائد بشار وأبي نواس والمتنبي ومقامات الحريري فذلك أدب، ولكن ما حدود الأدب، وما حدود العلم؟
قد عودتنا الطبيعة أن الأضداد تفهم ما تباعدت، فإذا ما تقاربت حدودها صعب فهمها؛ ما أسهل ما تقول أن هذا ظل وهذا شمس، ولكن عند تقارب الظل من الشمس تجد خطوطا يصعب أن تقول أهي ظل أم شمس، وما أسهل ما تقول إن هذا الماء حار أو بارد إذا اشتدت حرارته وبرودته، ولكن ما أصعب ذلك إذا أخذ الحار يبرد والبارد يسخن، فإنك تصل لا محالة إلى درجة يعسر عليك الحكم فيها بالحرارة أو البرودة.
أكبر ظاهرة في التفريق بين الأدب والعلم أن الأدب يخاطب العاطفة، والعلم يخاطب العقل؛ فإذا قلت إن زوايا المثلث تساوي قائمتين فإنك تخاطب العقل ولا تمس العاطفة، وإذا قال المتنبي:
خلقت ألوفا لو رحلت إلى الصبا
لفارقت شيبي موجع القلب باكيا
فهو يمس العاطفة أولا، ومن أجل هذا كانت الجملة الأولى علما، وبيت المتنبي أدبا.
العالم يلاحظ الأشياء؛ يستكشف ظواهرها وقوانينها، وعلاقتها بأمثالها وما يحيط بها، على حين أن الأديب لا ينظر إليها إلا من حيث أثرها في عواطفه وعواطف الناس، ينظر النباتي إلى شجرة الورد فيدرس كل جزء منها، والتغيرات التي تطرأ عليها من وقت بذرها إلى وقت فنائها، ومن أية فصيلة هي، وما علاقتها بالفصائل التي تقرب منها، أما الأديب فينظر إلى أجزاء الشجرة منسقة متناسبة، ويرى أنها لم تخلق إلا لزهرتها الجميلة، وأن بين الزهرة وقلبه نسبا؛ يعجب بحمرة لونها على خضرة أوراقها، ويذهب خياله في ذلك كل مذهب، أما النباتي فيبحث لم كانت الزهرة حمراء وأوراقها خضراء.
عالم الحياة لا يرى في الفتاة المحبوبة إلا إنسانا خاضعا لكل أبحاث البيولوجيا، أما الأديب فيرى في محبوبته شيئا وراء كل ما يبحث عنه العالم؛ هي الحياة، وهي الدنيا، وهي النعيم إذا وصلت، والبؤس إذا صدت، أو يقول مع القائل:
ويلاه إن نظرت وإن هي أعرضت
وقع السهام ونزعهن
فالكلام إذا لم يثر عاطفة لم يكن أدبا، فإذا هو خاطب العقل وحده كان علما، وإذا أمعن في إثارة العاطفة كان أمعن في الأدب.