بهذه الطريقة وحدها يمكننا أن نفهم الأدب ونقدره تقديرا صحيحا، وبذلك نستطيع أن نضبط النقد الأدبي، ونعالج ما هو فيه من فوضى لا تستند إلى أساس، ويذهب كل ناقد مذهبه، ويركب رأسه من غير أن يتحدد بحدود تقيده وأسس يلتزمها ويسير عليها.
وأنا على يقين أنا إذا سرنا على هذا النمط تغيرت وجوه دراستنا التقليدية التي سرنا عليها إلى الآن في البيان والبديع والنقد الأدبي، وتجلت لنا أمور في منتهى الخطورة، ورأينا أنفسنا نمسك بالقلم نحذف كثيرا من أمور السخف أوقعتنا فيها النظرة الجزئية للأدب، ورأينا أنفسنا نؤسس علما جديدا ومذهبا جديدا ونظريات جديدة.
الفصل الثامن
| أغنية
تعجبني أحيانا بعض الأغاني الشعبية؛ إذ أراها تمثل روح الشعب وآماله وآلامه، وأراها أصدق في وصف الحياة المتنوعة مما يفعل أدباء اليوم؛ فكل أغانيهم لا تمثل إلا عاطفة الحب البائس، وما يتبعه من ألم ممض، ولوعة مضنية، أما الأغاني الشعبية ففيها الحب البائس والحب الباسم، وفيها التغني بالبطولة والشكوى من الظلم، وأحيانا فيها فلسفة اجتماعية كالأغنية التي سأعرضها اليوم، ومرماها تصوير الهيئة الاجتماعية في صورة الجسم الواحد تتعاون أعضاؤه لتحقيق المصلحة العامة، وهو معنى عرض له الفلاسفة والأدباء في الأمم المختلفة قديما وحديثا؛ فمثله اليونان مرة بإضراب أعضاء الجسم:
قال القلب: لماذا أوزع الدم على سائر الأعضاء ولا ينالني أنا منه إلا قطرات؟ فلأضرب.
وقالت المعدة: ولماذا أهضم أنا أيضا الأكل كله وليس يصيبني منه إلا قليل، أفما كان الأولى ألا أهضم إلى ما ينالني؟ فلأضرب.
وقالت الأسنان: وما لي أنا كالطاحون تطحن دائما ولا ينالني من الغذاء إلا قدر السمسمة؟ فلأضرب.
وقالت الرجل: وأنا دائبة السعي يمينا وشمالا وليلا ونهارا في جمع العيش وتحصيل القوت، ثم حظي من كل هذا فتات الموائد؟ فلأضرب.
وقال كل عضو هذا القول أو شبهه، فأضربت الأعضاء جميعا؛ فلا الرجل تسعى، ولا اليد تحمل الغذاء إلى الفم، ولا الأسنان تمضغ، ولا المعدة تهضم، ولا القلب يوزع.
ثم بعد قليل شعرت المعدة بالجوع، ولم تستطع الرجل المشي، ولا اليد الحركة، وأدركت كلها أنها سائرة إلى الفناء السريع، فاجتمعت على عجل وقررت فض الإضراب، إذا رأت أن كل عضو يعمل لنفسه ولغيره، وأن غيره يعمل لنفسه ولغيره، فالغرم بالغنم والربح على قدر الخسارة.
ولحظ هذا المعنى شعراء العرب، فقال أبو العلاء المعري فيه:
المرء كالنار تبدو عند مسقطها
صغيرة ثم تخبو حين تحتدم
والناس للناس من بدو وحاضرة
بعض لبعض وإن لم يشعروا خدم
وكل عضو لأمر ما يمارسه
لا مشي للكف بل تمشي بك القدم
أما هذه الأغنية التي أشرت إليها فتمثل هذا المعنى من ناحية أخرى ظريفة، وهي ارتباط الصناع وأرباب الأموال برباط وثيق، لا يمكن أن يستغني أحد عن أحد، وها هي بعد حذف ديباجتها: «وحصاني في الخزانة، والخزانة «عاوزة» سلم، والسلم عند النجار، والنجار عاوز مسمار، والمسمار عند الحداد، والحداد عاوز بيضة، والبيضة في بطن الفرخة، والفرخة عاوزة قمحة، والقمحة عند القماح، والقماح عاوز فلوس، والفلوس عند الصريف، والصريف عاوز عصافير، والعصافير في الجنة، والجنة عاوزة حنا» ... إلخ.
أغنية لطيفة حقا، لا يزال أطفالنا إلى الآن يتغنون بها بتوقيعهم الظريف، وصوتهم الشجي، وهم إذ ينشدونها لم يدروا أنهم يتغنون بفلسفة عالية، وفكرة سامية.
قد يلاحظ عليها أن الربط في بعضها محكم؛ كحاجة السلم إلى النجار والنجار إلى المسمار، وبعضها غير محكم؛ كحاجة الحداد إلى البيضة، وحاجة الصريف إلى العصافير، ولكن أظن أن تحكيم المنطق الدقيق الحاد في الأدب كالشعر والأغاني وسائر الفنون مجاوزة للحد؛ فالأغنية ظريفة لطيفة رغم المنطق.
ومن أسباب جمالها هذا النوع البديع الذي يصح أن أسميه: «جمال الدوران»، أو جمال التسلسل؛ مثل قولهم: «لا سلطان إلا برجال، ولا رجال إلا بمال، ولا مال إلا بعمارة، ولا عمارة إلا بعدل».