تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقولهم: «الحجر يكسر الزجاج، والحديد يكسر الحجر، والنار تذيب الحديد، والماء يطفي النار، والريح تلعب بالماء، والإنسان يتقي الريح، والخوف يغلب الإنسان، والخمر تزيل الخوف، والنوم يغلب الخمر، والموت يغلب النوم».

ومثل قولهم: «العالم يعرف الجاهل؛ لأنه كان جاهلا، والجاهل لا يعرف العالم؛ لأنه لم يكن عالما» ... إلخ. •••

وبعد، فما تاريخ هذه الأغنية ومن واضعها؟ لا بد أن يكون فيلسوفا أو حكيما بعيد النظر، وما يؤسف له أن هذه الأغاني والأزجال والمواويل لم يعن بها عناية الأدب الأرستقراطي؛ فبينا يعنى العلماء والأدباء بنسبة بيت الشعر إلى قائله، والقصيدة إلى منشئها، ويحتدم بينهم القتال على ذلك، إذا بنا لا نجد هذه العناية ولا بعضها في الأغاني والأزجال الشعبية، وهذا نوع مما أصاب الأدب الشعبي من الظلم، وكم أصابه من أنواع! وها هي الأغاني التي تخترع في عصرنا نجدها على الأفواه ونستعذبها، وتهش لها نفوسنا، ولا نكلف أنفسنا مئونة البحث عن منشئها.

ولكن من حسن حظ هذه الأغنية، أو من حسن حظنا نحن، أننا نجد ظلا لتاريخها؛ فقد ذكرها الجبرتي في تاريخه في حوادث سنة 1143 هجرية، فيكون عمرها أكثر من قرنين، وظلت الأجيال تتعاقبها إلى يومنا.

ويظهر من كلام الجبرتي أن واضعها عالم كبير جليل من أكابر علماء الأزهر في القرن الثاني عشر، هو الشيخ الحفناوي أو الحفني، كان سيد الأزهر في أيامه، له حلقات الدروس الحافلة بنوابغ الطلبة، يقرأ فيها أعوص الكتب وأصعبها؛ كجمع الجوامع، والأشموني، وحاشية السعد، وله التآليف الكثيرة في البلاغة والميراث والجبر والمقابلة، كما كان بيته ساحة كرم يغشاه أعيان مصر وعلماؤها وأدباؤها، ويلجأ إليه الفقراء وذوو الحاجات، وكان راتب بيته من الخبز كل يوم نحو الإردب، وطاحون بيته دائرة ليل نهار، ويجتمع على مائدته الأربعون والخمسون والستون، إلى هيبة ووقار، حتى يهاب العلماء سؤاله لجلاله.

وهو مع هذا كله ظريف أديب، سمع تلميذا له يوما يقول:

قالو تحب المدمس؟ قلت بالزيت حار

والعيش الأبيض تحبه؟ قلت والكشكار

فضحك الشيخ وقال: أنا لا أحبه بالزيت الحار، وإنما أحبه بالسمن، ثم قال:

قالوا تحب المدمس؟ قلت بالمسلي

والبيض مشوي تحبه؟ قلت والمقلي

وله المواويل الظريفة؛ كقوله:

بحياة يا ليل قوامك وصوم الحر

تحجز لنا الفجر دا فوت الرفاقه حر

لما يجي الفجر يصبح ركبهم منجر

أزداد لوعة ولا عمري بقيت أنسر

إلى غير ذلك، فيحدث تلميذه أن الشيخ الحفني قال له يوما: «أحدثك حدوته بالزيت ملتوته، حلفت ما آكلها، حتى يجي التاجر، والتاجر فوق السطوح، والسطوح عاوز سلم ... إلخ»، فحكاية التلميذ، ولم يكن سمعها من قبل، وروايته لها عن شيخه، ترجح الظن أنها من عمل الشيخ الحفني.

وقد زاد الشيخ على ذلك، فشرح الأغنية على طريقة الصوفية، ففسر التاجر بالمرشد الكامل والمربى الواصل، والتاجر فوق السطوح في مستوى عال، والسطوح لا يمكن صعوده إلا بمعراج ... إلخ، وقد كان للشيخ جانب آخر صوفي عظيم.

فالأشموني وجمع الجوامع، والحواشي والتقارير، كلها لم تمنع الشيخ العالم الأزهري الجليل من أن يكون أديبا وزجالا ظريفا، يضع الأغاني والمواويل يتغنى بها الشعب، وهذا يذكرني بما سمعت عن فضيلة الأستاذ الشيخ عبد الرحمن قراعة المفتي الأسبق - مد الله في عمره - من أنه واضع الدور المشهور: «الله يصون دولة حسنك».

فمن لنا بعلمائنا الأزهريين اليوم يشرفون على الأدب كما يشرفون على الدين، ويتعرفون حياة الناس الاجتماعية، ومناحيهم الأدبية، ويضعون الأناشيد الظريفة، والأغاني اللطيفة، ويكونون عنوان الدين وعنوان الظرف، يبتغون فيما آتاهم الله الدار الآخرة، ولا ينسون نصيبهم من الدنيا.

الفصل التاسع

| تراثنا القديم

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١١٧٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١١٧٤