فجميع الفنون تتفق في الأصل، ولا تختلف إلا في الشكل، وكل الفروق بينها أن هذا يصوغ فنه من كلمات، وهذا من نغمات، وذاك من ألوان؛ لأن هذا يعتمد على قلمه، والآخر يعتمد على عوده أو قانونه، والثالث يعتمد على ريشته، إلى آخر ما هنالك من فروق لا تمس الأصل. •••
إن كان ذلك كذلك كان من الخطأ البين أن ندرس الأدب والبلاغة والنقد الأدبي دراسة مستقلة عن دراسة قواعد الجمال في الفنون الجميلة عامة، بل يجب أن ندرسها في ضوء جميعها، ويقيني أن الدراسة على هذا النحو الذي أقترحه تعدل نظرنا في الأدب وقواعده، وتكشف لنا عما وقعنا فيه من ضروب النقص؛ فنظرنا إلى المجاز والاستعارة والكناية يتغير إذا نظرنا إليها في ضوء التصوير الرمزي، والموسيقى؛ من محسنات وبحور الشعر، تصحح بدراسة حركات الموسيقى، وهكذا.
ولأضرب لذلك مثلا يوضح ما أريد: خذ - مثلا - المبالغة، فإننا ندرسها في الأدب مستقلة، ويعرضون لها في البلاغة بنظرات ضيقة، فإن هم ألقوا نظرة على الفنون الجميلة جميعها رأوا أن المبالغة لا بد منها في الفنون بقدر ما توضح الحقائق، وأن الفنان إن اقتصر على تقليد الطبيعة لم يكن لفنه قيمة، فهو يبالغ في الطبيعة لتوضيحها؛ فالمصور يبالغ في بعض أجزاء الصورة لمعنى يوضحه، والشاعر يكبر حجم الرجل ليشعر بعظمته، وواضع القصة أو الرواية يبالغ في نواحي أشخاص الرواية حتى تدل بوضوح على المعاني التي يريدها، والخطيب يبالغ في المعنى الذي يريده حتى يثير إلى أقصى حد عواطف من يخطبهم، وهكذا؛ فلو نظرنا إلى المبالغة في ضوء الشعر والرواية والخطابة والتصوير والموسيقى أمكننا أن نستخلص من ذلك كله قواعد تفوق بمراحل ما استنبطناه من قواعد المبالغة حين عرضنا للأدب وحده.
كذلك نراهم - مثلا - يعرضون عند الكلام في النقد الأدبي لعلاقة الأدب بالأخلاق، وهل يجب أن يخضع الأدب للأخلاق أو أن الأدب للأدب، وأن القطعة الأدبية قد تكون بالغة أقصى السمو ولو لم تتفق والأخلاق؟ ومن رأيي أن هذه المسألة إذا لم تدرس في حدود الأدب وحده بل درست في دائرة الفن جميعه؛ من موسيقى وتصوير ونحت وتماثيل، اتضح وجه الحق فيها أكثر من وضوحه عند قصر نظرنا على الأدب وحده.
لقد تعددت دراسات الأدب، وسلك الباحثون فيه سبلا كثيرة؛ فقوم درسوا الأدب دراسة تاريخية، فدرسوه على أنه ظل للحياة الاجتماعية، وقالوا لا يمكن أن نفهم الأدب حق الفهم إلا إذا درسنا البيئة التي أنتجته، فلسنا نستطيع أن نفهم المتنبي - مثلا - إلا إذا فهمنا الأوساط التي قيلت فيها قصائده؛ ففهمنا حال مصر إذ ذاك، وما قال فيها وفي ملوكها، وفهمنا حال العراق، وما قال فيها من قصائد، وهكذا.
ودرس آخرون الأدب من ناحية حياة الأديب، ولاحظوا في ذلك أن نفس الأديب هي المنبع الذي صدرت عنه القطعة الفنية، فيجب أن تدرس هذه النفس ليفهم ما يصدر عنها؛ فالكتاب الذي ألف، والقصيدة التي نظمت، لا يمكن فهمها حق الفهم إلا إذا فهمت نفسية القائل.
واتجه آخرون اتجاها غير هذا وذاك، فقالوا يجب أن ندرس الأدب من حيث هو، لا من البيئة ولا من حياة الأديب، وأن نقوم الآثار الأدبية بقطع النظر عن بيئتها وقائلها، وأن نجيب عن الأسئلة الآتية: ما منزلة القطعة الفنية؟ وما موضع الحسن فيها؟ وما الذي جعلها أثرا فنيا على مر الزمان؟
والذي أدعو إليه في مقالي الآن شيء غير هذا كله، وهو أن ندرس الأدب من حيث هو فن جميل، ومن حيث هو خاضع لقوانين علم الجمال، ومن حيث الارتباط الشديد بينه وبين سائر الفنون الجميلة.
وهذا يتطلب أن عالم الأدب ينبغي - أولا - أن يدرس علم الجمال، وما وضع له من قواعد، وما أثيرت حوله من مسائل، وإذا كان علم الجمال فرعا من فروع الفلسفة فيجب أن يدرس ما يتصل به من فروع الفلسفة؛ وخاصة علم النفس، وهو إذا درس القواعد العامة لعلم الجمال استطاع بعد أن يدرس القواعد الخاصة التي يمتاز بها كل فن جميل؛ فالموسيقى تمتاز بأشياء لأن عمادها الصوت، والتصوير يمتاز بأشياء لأن عماده اللون، والأدب يمتاز بأشياء لأن عماده اللفظ والمعاني، ولكن هذه الأشياء التفصيلية لا تفهم حق الفهم إلا في ضوء النظريات العامة التي تشترك فيها كل الفنون الجميلة؛ ذلك أن الفنون الجميلة جميعها ترتبط بالعاطفة، وتعتمد عليها، وتوضع من أجلها، وتقوم بها، فما لم تدرس العاطفة وحاجتها إلى الجمال وغذاؤها بالجمال لا يمكن أن يفهم أي فن ومنه الأدب.