تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن أجل ذلك كان الأدب يخاطب العاطفة لا العقل وحده، كما هو الشأن في الموسيقى والتصوير والنقش، إنما الذي يخاطب العقل وحده هو العلم لا الفن؛ فالقصيدة من الشعر، والوردة في غصنهان والقمر في سمائه، والجبل المعمم بالثلج، والتمثال المحكم الأنيق، والبناء الشامخ المشيد، والقطعة الموسيقية الجيدة التوقيع، ووجه المرأة الحسناء، والرواية الحسنة، والقصة الحلوة؛ كلها نسميه جميلا، وكلها يخضع لقوانين الجمال، فإن اختلفت في شيء فاختلاف في التفاصيل لا في الأسس.

فإن نحن نظرنا إلى الأدب على أنه أحد الفنون الجميلة كان هذا المنظر خليقا أن يصحح نظرنا؛ لأن ما نضعه من قواعد الأدب الأساسية يمكن امتحانه بتطبيقه على الموسيقى والنقش والتصوير؛ حتى نتبين صحته من فساده، أما إن استمر الأدباء في نظرتهم إلى الأدب مستقلا، وقعوا في خطأ قصور النظر، وكان مثلهم مثل من بنى قواعد كلية بعد مشاهدته جزئيا واحدا، أو بعد أن استقرأ استقراء ناقصا.

وشيء آخر، وهو أن نظرنا إلى الأدب في ضوء الفنون الجميلة الأخرى يوسع نظرنا إلى مناح نعجز عن إدراكها إذا نظرنا إلى الأدب وحده؛ فقوانين الجمال واحدة مهما اختلفت مادتها الأولية، فقد تكون المادة حجرا فتكون تمثالا، أو لونا فيكون تصويرا، أو صوتا فيكون موسيقى، أو يكون شعرا أو نثرا، وقد ندرك الجمال بأعيننا، وقد ندركه بآذاننا، ولكن مع كل هذه الاختلافات هناك صلة مشتركة صار بها الجميل جميلا، وإذا عدمت عدم الجمال، وهذه الصلة تكون في الأدب فيكون أدبا جميلا، وفي الموسيقي فتكون جميلة، وفي الصور فتكون جميلة، وعلى مقدار تحقق هذه الصلة يكون مقدار الجمال؛ سواء كانت هذه الصلة في الشيء الخارجي وحده - كما يقول بعضهم - أو في الشخص الرائي والسامع وفي المرئي والمسموع معا - كما يقول آخرون، ولكنها على كل حال قدر مشترك بين جميع فروع الفن.

ونظرة واحدة ترينا الارتباط المتين بين فروع الفن المختلفة؛ فالشعر - مثلا - ليس إلا تصويرا ناطقا، والتصوير ليس إلا شعرا صامتا، والشعر والموسيقى أشد ارتباطا؛ فأوزان الشعر أوزان موسيقية تختلف في الحركات والسكنات والطول والقصر كما هو الشأن في الموسيقى، ونلاحظ في الموسيقى أن النغمة الواحدة إذا وقعت على «الكمنجة» ثم وقعت بعد على «البيانو» كانت النغمتان مختلفتين كيفية ومختلفتين تأثيرا، ولكل منهما طعم غير طعم الأخرى، وهذا يقابله في الشعر القافية؛ فالقصيدة على قافية قد يكون لها أثر غير القصيدة إذا قيلت على قافية أخرى، وهكذا.

بل هناك دليل أقوى من هذا، وهو أن مرجع كل الفنون من أدب وتصوير وموسيقى إلى «الذوق»، وهذا الذوق خاضع لقوانين النشوء والارتقاء والرقي والانحطاط في الفنون كلها؛ فالطفل قبل أن يشعر بلذة من جمال شكل أو جمال حركة تأخذ ببصره الألوان الزاهية والصور البديعة، ومن أخذ بحظ قليل من المدنية يميل إلى الألوان القوية؛ كالأحمر القاني والأصفر الفاقع، ويعجبه من الثياب الألوان الكثيرة الصارخة.

أما المتمدنون فتعجبهم الألوان الخفيفة المتناسقة، الخافتة الهادئة، وكذلك الشأن في الأدب؛ فالقطعة الأدبية التي تعجب الشعب المنحط لا تعجب الأديب الراقي، من ناحية الألفاظ ومن ناحية المعاني، وهذا - من غير شك - يرجع إلى اختلاف الذوق وتدرجه في الرقي، بل الأديب نفسه إذا رقي استحسن ما لم يكن يستحسن، واستهجن ما لم يكن يستهجن؛ تبعا لرقي ذوقه، وإذا كان الذوق يرقى وينحط فهو خاضع لنظام وقوانين، يمكن دراستها وإن لم تستكشف جميعها الآن، وهذه القوانين يمكن تطبيقها على الأدب كما يمكن تطبيقها على الموسيقى والتصوير وكل فن جميل.

بل كل الفنون مرجعها عند الفنان والسامع والرائي إلى الشعور بالجمال، والفنان يشعر بالجمال، ثم يتحول الشعور عنده إلى إنتاج، وما ينتجه يثير في نفس السامعين والناظرين شعورا بالجمال؛ فالمنظر الجميل يثير عند الفنان شعورا بالجمال فيحوله الشاعر شعرا، والمصور صورة، والموسيقي موسيقى، وهي كلها تثير الشعور بالجمال عند من رآها أو سمعها، ولا فرق بين الفنان وغيره إلا أن الفنان قابل فاعل معا، وغيره قابل فقط.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١١٧١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١١٧١