وتارة كانوا يلحظون ما بين الحرف والمعنى من مناسبة؛ فيلحظون في الحاء إذا أتت في آخر الكلمة دلالة على الاتساع والانتشار؛ مثل: ساح وباح وصاح وشرح ومرح، والكلمة المبدوءة بالشين على التشتت والتفرق؛ مثل: شتت وشطر وشعث وشع ... إلخ، والكلمات المبدوءة بالغين على الغموض؛ مثل: غمض وغابت الشمس وغبش الليل وغار الماء وغطى الشيء ... إلخ، وقد فطن بعض كبار اللغويين إلى هذا الأمر، ونبهوا عليه كما يفعل الزمخشري كثيرا في تفسيره.
وهذا الأمر، وإن لم يصرح العرب به، فقد كان مركوزا في طبيعتهم، مقدسا في أذواقهم، يعتمدون عليه في وضع الكلمات والاشتقاق منها، فمن بلغ من قوة الحس مبلغهم، ومن دقة الملاحظة دقتهم، كان له بمقتضى القياس مثل ما لهم.
ولكن من الذي يجوز له هذا؟ إننا إذا قلنا بجوازه لكل فرد كان الأمر فوضى، وتعرضت اللغة للاضطراب، ولكنا نقول كما قال الفقهاء، ونحذو حذوهم؛ ففي عصورهم الزاهية كان الاجتهاد، وكان البحث في المجتهد والقول في شروطه، وحصروا قياس الأحكام وتقويم العدالة وصحة الحكم في يد المجتهدين، وشرطوا للمجتهد شروطا تتلخص في أن يكون محيطا بمدارك الشرع، متمكنا من وسائل النظر فيها والاستنباط منها، وعلى الجملة، يكون - فضلا عن مواهبه الذهنية - مثقفا ثقافة شرعية وما يلزمها من ثقافة لغوية ونحوية ... إلخ.
وعلى هذا القياس يجب أن نقول في المجتهد اللغوي، فلا بد أن يكون مثقفا ثقافة لغوية وأدبية واسعة، متمكنا من النحو والصرف؛ لأنهما وسائل من وسائل إتقان اللغة، وفوق ذلك أن يكون له ذوق قد أرهف بكثرة القراءة اللغوية والأدبية، ومعرفة بسر الوضع على النحو الذي أبنا؛ حتى يستطيع أن يدرك بحسه الذي كونته الثقافة وعلمه العميق، الجيد من الرديء، وما يصح وما لا يصح، ونحو ذلك، كما يستطيع بهذه المؤهلات كلها أن يتخير اللفظ المناسب للمعنى المناسب؛ إما بوضع جديد، أو اشتقاق من لفظ قديم، فإذا بلغ هذا المبلغ كان له الاجتهاد اللغوي، كما كان لنظيره الاجتهاد الفقهي.
وكما أن للهيئات القضائية مركزا هاما يستند إليه فيما يصدر عنه من أحكام، ويستأنس بما وصل إليه في القضايا المعروضة من اجتهاد، فكذلك يجب أن يكون الشأن في اللغة - في الاجتهاد، وشروط المجتهد، والجمعيات اللغوية التي تتمثل في المجامع وأشباهها - لا يمكن أن تحيا أمة حياة صحيحة إلا بالاجتهاد؛ الاجتهاد في التشريع، والاجتهاد في كل علم من العلوم، والاجتهاد في اللغة؛ ودعامة الاجتهاد التي يرتكز عليها هي القياس.
الفصل السابع
| الأدب فن جميل
لعله من الخطأ المزمن دراستنا للأدب على أنه فن مستقل، فإن ربطناه بغيره فإنما نربطه بقواعد النحو والصرف واللغة، على أنها وسائل لا بد منها للأدب والأديب، مع أن هناك رابطة أوثق، واتصالا أحكم ما يزال أكثرنا غافلا عنه للآن، وهذه الرابطة إن درست دراسة دقيقة واسعة غيرت نظرنا للأدب وتقويمه، وأفادتنا أكبر فائدة في النقد الأدبي؛ وأعني بهذا أن تدرس الأدب على أنه فن من الفنون الجميلة ؛ كالنقش والتصوير والموسيقى، يخضع للقوانين العامة التي استكشفها علم الجمال، ويشترك فيها مع كل هذه الفنون، كما يخضع النبات والحيوان والإنسان للقوانين العامة لعلم الحياة، وكما تخضع كل المواد على اختلاف أنواعها لقوانين علمي الطبيعة والكيمياء.
فهناك فرع من فروع الفلسفة هو «علم الجمال» أخذ يتساءل: ما هو الجميل، وما الشروط التي تتوافر في الشيء حتى يعد جميلا؟ وأجاب عن ذلك إجابات عديدة، ووضع القواعد المختلفة التي تنطبق على كل جميل، وهذه الأسئلة والإجابات والقواعد يمكن تطبيقها على الأدب كل الانطباق؛ لأن الأدب ليس له قيمة إلا في جماله؛ جمال لفظه، وجمال معانيه، وجمال عواطفه، وجمال خياله، فإن هو عرى عن هذا الجمال لم يعد أدبا.