الاعتراف بالمولد والدخيل، وعده عربيا، وإدخاله في معاجمنا ما دام يجري على الصيغ العربية، ويسير على نمط العرب في وضعهم أو اشتقاقهم؛ مثل: كلمة الوزائع، وقد استعملها ابن خلدون بمعنى الضرائب التي يوزعها الحاكم على الرعية؛ ومثل: تندر، إذا جاء بالنادرة، وتنادر عليه، إذا جعله موضع نادرته؛ وقد استعملها صاحب الأغاني؛ ومثل: المقيدة، وهي الدفتر الذي يكتب فيه الرجل ما يمر به تذكرة لنفسه؛ ومثل: تفرج، بمعنى اطلع على الشيء ليتسلى به، ومثل مئات الكلمات التي استعملت في العصور المختلفة للدلالة على معان جديدة من مثل ما أثبته دوزي في معجمه؛ فما بالنا لا نثبته في معاجمنا قياسا على ما فعل العرب؟ (4)
أننا نجد العرب أحيانا يلحظون في الشيء معنى من المعاني، فيسمونه باسم مشتق من الكلمة التي تدل عليه؛ فقد سموا القارورة؛ لأنهم لحظوا أن الشيء يقر فيها، وسموا الدار دارا؛ لأنه يكثر فيها الدوران، فلماذا لا نستعمل هذا الباب فيما يقابلنا من كثير من ألفاظ الحضارة والمصطلحات العلمية الكثيرة التي نقف أمامها حائرين ولا نشتق من الكلمات العربية كلمات تدل عليها، ملاحظين ما نلمحه من معنى فيها؟ (5)
وهناك باب أخطر من ذلك وأجرأ، وهو التفهم في عمق وأناة، كيف وضع العرب لغتهم؟ فنرى - مثلا - أن العرب كان لها ذوق مرهف في وضع الكلمات استنفادا على محاكاة الأصوات؛ تارة بتقليد الأصوات، كما سموا صوت الماء خريرا، وصوت الحجر صكا، وصوت الريح هبوبا، والضفدع نقيقا، واللبن درا، والمريض أنينا ... إلخ؛ محاكاة للأصوات التي يسمعونها أو يتخيلونها من صوت هذه الأشياء، ثم صاغوا من هذه الأسماء أفعالا، ثم توسعوا في الاشتقاق منها للدلالة على ما يشبهها وما يقرب منها.
فاللغة عند حدوثها الأول كانت أصواتا يحدثها المتكلم حاكيا للأصوات المسموعة، ثم صارت تلك الأصوات المحكية علامة لما يسمع بالأذن، أو يبصر بالعين، أو يلمس باليد، أو يشم بالأنف، أو يعقل بالعقل، شأنها في ذلك شأن الخط؛ كانت عند حدوثه تصويرا للمجسمات؛ فالباء للبيتن والعين للعين، ثم صارت علامة للأصوات المسموعة، ولكن عادة يكون صوت الحاكي أقصر من المحكي، فيكتفي في الحكاية بالرمز، أما النحت والتصوير فتكون الحكاية كاملة.
والأمر في دلالة الكلمات على الأصوات أدق مما يتصور، وكثيرا ما تعتمد الكلمة في حكاية الصوت على حرف يدل عليه، وتكمل بقية الحروف لخدمته؛ فحرف السين أساسي في كلمة التنفس والحس واللمس؛ لأنه يتخيل في مدلولها صوت السين عند الاحتكاك، وحرف الراء هو الأساس في البحر والنشر والفجر والنحر والبذر والغر؛ لأنه يتخيل في هذه الأشياء كلها صوت الراء، وحرف النون هو الأساس في الظن والرن والفن، وحرف القاف في الدق والشق والطرق، وهكذا.
وعند تحري هذا الباب نراهم يحاكون - أولا - صوت المسموع بالأذن، ثم ينقلونه إلى المبصر بالعين، ثم ينقلونه إلى المحسوس بباقي الحواس الخارجية، ثم إلى المعقول بالعقل؛ فمثلا: لو نظرنا إلى كلمة: حس، وتتبعناها، وجدنا أن المصدر الأصلي لحس كان صوتا سينيا تخيلوا أنه يسمع عند الحس؛ أي: عند المس باليد، ثم انتقلوا من الإحساس باليد إلى الإحساس بغيرها، فسموا كل ما يشعر به محسوسا، وسموا الآلات التي يحس بها حواس، ثم أطلقوها على العلم الحادث من الحواس ، وعلى اليقين الحاصل من العلم بها، واشتقوا أحس بالشيء؛ أي: أيقنت به، ولو تتبعت المادة لوجدتها كلها من هذا القبيل متدرجة على نحو ظريف.
ثم نوعوا هذا الصوت السيني فجعلوه مرة حسا ومرة لمسا ومرة مسا ... ولو تقصينا هذا الباب على هذا النمط لأفادنا فائدة كبرى، ولدلنا على أن مصادر اللغة التي تحاكي الأصوات في منبعها الأول كانت مصادر محصورة تعد بالعشرات، فإن توسعنا قليلا قلنا بالمئات، ثم تضخمت هذه المصادر بالاشتقاق الصغير والاشتقاق الكبير على مدى الأزمان، وعلى حسب ما يجد من المعاني وما يقرب من المصادر الأصلية، وهو باب يفيدنا عندما يفسر أصحاب المعاجم أو المفسرون للقرآن والحديث والنصوص الأدبية اللفظ بتفسيرات مختلفة، فنستطيع به أن نرجح قولا على قول، ورأيا على رأي، كما نستفيد منه استكشاف بعض الأغلاط التي وردت في معاجم اللغة ومنشؤها خطأ في النقل، أو تصحيف في الكتابة، أو نقل عن ألثغ، أو نحو ذلك، وهذا باب عظيم يحتاج الكلام فيه إلى أكثر من محاضرة، وإذا كان ابن جني قد سمى هذا ما اكتشفه الاشتقاق الكبير فيصح أن نسمي هذا الضرب الاشتقاق الأكبر.