تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكذلك له فضل كبير فيما سمي الاشتقاق الكبير، وهو الذي سماه بهذا الاسم، وقد تنبه إليه أستاذه أبو علي الفارسي؛ قال ابن جني: «إن أبا علي (رحمه الله) كان يستعين به ويخلد إليه، لكنه مع ذلك لم يسمه، وإنما كان يعتاده عند الضرورة ويستروح إليه»، فجاء ابن جني فوسعه ونماه وسماه، وسمي الاشتقاق المعروف في أيدي الناس بالاشتقاق الصغير؛ كأن نشتق من كتب: يكتب وأكتب وكاتب ومكتوب ومكتب وكتاب ... إلخ.

أما الاشتقاق الكبير، فيعنون به حصر أصول الكلمة وتقليبها على وجوهها المختلفة، وأن نستخرج منها التباديل والتوافيق ونقرن بينها؛ كأن نأخذ كلمة كلم ونحولها إلى: ك م ل، م ك ل، م ل ك، ل ك م، ل م ك، وتمعن النظر فيها لتنظر هل هذه الحروف إذا جمعت كلها على نحو ما، دلت على شيء واحد يتنوع بتنوع تركيب هذه الحروف، فتستخرج - مثلا - أن هذه الحروف الثلاثة إذا اجتمعت دلت على القوة، وتستخرج معنى القوة من كل ما دلت عليه في أشكالها المختلفة، وهذا باب عظيم من أبواب أصول اللغة تفوق فيه ابن جني.

ومما يؤسف له أن مدرسة القياس هذه لم تستمر في سيرها حتى تؤتي ثمارها؛ فإن النكبة التي أصيب بها المعتزلة نكبة أصيب بها العلم العربي كله؛ فقد كانت الحرب بين المعتزلة والمحدثين حربا أيضا بين منهجين للعلم: منهج تحكيم العقل مع المحافظة على أصل الدين - وهو الذي دعا إليه المعتزلة - وهو منهج البحث والتجربة والاستدلال العقلي والشك والقياس، وما إلى ذلك، كما يظهر في منهج النظام والجاحظ وأشباههما، ومنهج الذين يقتصرون على الرواية والجمع والتخريج والتعديل، وما إلى ذلك، وهو منهج المحدثين؛ فلما نصر المتوكل المحدثين ونكل بالمعتزلة سادت طريقة المحدثين المؤسسة على الرواية، وانكمشت طريقة المعتزلة المؤسسة على العقل والقياس، وأثر ذلك في وقوف جميع العلوم ومنها اللغة.

وقد كان للمعتزلة أثر كبير في القياس في اللغة، يظهر في قولهم بأن اللغة اصطلاحية من وضع البشر، لا توقيفية، كما يظهر في تحرر الجاحظ وأمثاله من المعتزلة في تشقيقهم الكلام، واستعمالهم للمولد من الألفاظ، بل والأعجمي، وكما يظهر أيضا في أن زعيمي مدرسة القياس؛ وهما أبو علي الفارسي وابن جني، كانا من المعتزلة، وكما يظهر في البحوث اللغوية الطريفة التي حققها الزمخشري في كتبه، وتفريقه بين دلالة الألفاظ عن طريق الحقيقة، ودلالتها عن طريق المجاز، وهو معتزلي أيضا، فلما ذهبت دولتهم غلبت دولة المحافظين في اللغة كما هو الشأن في كل علم، فإن قلت إن العلم العربي وقف عند نكبة المعتزلة أو بعدهم بقليل - لأن أثرهم لم يمح مرة واحدة، بل ظل قرنا أو أكثر يعمل بحكم دفعتهم القوية - وقلت إن العلم أصبح في الأعم الأغلب جمعا ورواية وتأليفا لمفترق وتفريقا لمجتمع من غير نظر عقلي قوي أو ابتكار، لم تكن بعيدا عن الصواب. •••

ونحن إذا أيدنا القول بالقياس في اللغة ودعونا إليه، فما الذي نريده؟ وما الذي نستفيد منه في مثل موقفنا؟

يمكننا أن نستفيد من القول بالقياس في اللغة فوائد كثيرة، من أهمها في نظرنا: (1)

أننا نجد كتب اللغة كثيرا ما تذكر المصادر ولا تذكر أفعالها أو العكس، أو يذكر الفعل ولا يذكر من أي باب هو، فالقول بالقياس يمكننا من تكميل هذا النقص بحمل المجهول على المعلوم، فمتى رأيناهم يكثرون من المصادر على وزن خاص إذا كان الفعل على وزن خاص في الأعم الأغلب، أمكننا أن نقيس ما لم يذكروا على ما ذكروا، وأن نعده من كلام العرب، وهكذا، وهذا الباب يكمل نقصا كبيرا في المعاجم. (2)

أننا إذا وجدناهم يشتقون وزنا خاصا، ويستعملونه للدلالة على شيء خاص، أمكننا أن نقيس عليه ما لم يذكروا؛ فإذا وجدناهم - مثلا - يصوغون «فعال» للدلالة على محترف الحرفة أو المهنة؛ كنجار وحداد وقفال، أمكننا أن نقيس عليه من أسماء أصحاب المهن والحرف ما لم يذكروه. (3)

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١١٦٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١١٦٨