وكذلك الصرفيون في قواعد الإعلال والإبدال، واشتقاق صيغ اسم الفاعل والمفعول والزمان والمكان ... إلخ، فضبطوا بذلك اللغة في اختصاصهم، وكل هذا عن طريق القياس.
أما اللغويون، فسادت عليهم المحافظة، وقلت فيهم الحرية، وليس الاختلاف في أن اللغة توقيفية أو غير توقيفية إلا مظهرا من مظاهر المحافظة والحرية؛ فمن قال بأنها توقيفية، أو بعبارة أخرى: من وضع الله، أسبغ عليها حلة من التقديس، والتزمها من غير تصرف فيها، ومن قال إنها غير توقيفية، أو بعبارة أخرى: من وضع البشر، كان أكثر حرية في التصرف فيها.
على كل حال، نرى كثيرا من اللغويين وقفوا عند ما ورد، وكانوا محافظين، ومن هؤلاء جامعو اللغة؛ كالأصمعي، وابن الأعرابي، وأبي زيد، فلم يكونوا يستبيحون لأنفسهم أن يقولوا كلمة، أو يشتقوا اشتقاقا، إلا عن سماع، ومن هؤلاء أيضا أصحاب المعاجم؛ كالجوهري، والفيروزابادي، وابن منظور، فلم يقيسوا على ما رووا، وإن اختلف بعضهم عن بعض في زيادة الكمية المروية أو نقصها، وكثرة الاستشهاد وقلته، وذكر أسماء البلاد والأعلام أو عدمه ، ونحو ذلك.
وبجانب ذلك قلة من القياسيين، أو بعبارة أخرى: مدرسة القياس، وربما كان من أعلام هذه المدرسة أبو علي الفارسي، وتلميذه ابن جني؛ فأما أبو علي الفارسي، ففارسي الأب عربي الأم، مات ببغداد سنة 377 في أيام الطائع لله عن نيف وتسعين سنة، طوف كثيرا في بلاد الشام، وأقام بحلب مدة، وخدم سيف الدولة بن حمدان، ثم رجع إلى بغداد وخدم عضد الدولة، وبقي بها إلى أن مات.
وقد كان معاصرا لأبي سعيد السيرافي، وكان أبو سعيد هذا أكثر من الفارسي رواية، وكان الفارسي أكثر منه قياسا، حتى لقد قال أبو علي الفارسي: «لأن أخطئ في خمسين مسألة مما بابه الرواية أحب إلي من أن أخطئ في مسألة واحدة قياسية»، وقد قال فيه بعض تلاميذه: «أحسب أن أبا علي قد خطر له وانتزع من علل هذا العلم ثلث ما وقع لجميع أصحابنا»، وما العلل إلا مقدمة القياس.
وكان يقول: ما قيس على كلام العرب فهو من كلام العرب، فإذا عربت لفظة أعجمية أجريت عليها أحكام الإعراب وعددتها من كلام العرب، وأجيز الاشتقاق منها، كما عرب العرب لفظة الدرهم، واشتقوا منه درهمت الخبازي؛ أي: صارت كالدراهم؛ وقالوا: رجل مدرهم؛ أي: كثرت دراهمه.
وكان يقول: لو شاء شاعر أو ساجع أو متسع أن يبني بإلحاق لام الكلمة اسما أو فعلا أو صفة لجاز له، ولكان ذلك من كلام العرب؛ وذلك نحو قولك: خرجج أكرم من دخلل، وضربب زيد عمرا، ومررت برجل ضربب وكرمم، ونحو ذلك، فقال له تلميذه ابن جني: أفترتجل اللغة ارتجالا؟ قال: ليس بارتجال، لكنه مقيس على كلامهم، فهو إذن من كلامهم، ثم قال: ألا ترى أنك تقول: طاب الخشكنان، فتجعله من كلام العرب، وإن لم تكن العرب تكلمت به هكذا.
قال: فرفعك إياه كرفعها ما صار لذلك محمولا على كلامها ومنسوبا إلى لغتها.
وكان جريئا إلى حد لم نصل إليه إلى اليوم، فكان من رأيه أن الألف اللينة في الكلمة الثلاثية تكتب ألفا مطلقا؛ سواء أكان أصلها واوا أم ياء، وقد علل ذلك بحمل الحظ على اللفظ.
وأما ابن جني، فهو من أب رومي، وكان من أمهر العلماء في التصريف، مات في سنة 392 في خلافة القادر، اجتمع بالمتنبي في بلاط سيف الدولة، وكان المتنبي يقول فيه: «هذا رجل لا يعرف قدره كثير من الناس»، وكتابه الخصائص نحا فيه منحى جديدا طريفا يدل على تذوقه للغة، وتعمقه في فهم أسرارها ومحاولة فلسفتها.
وقد صحب أبا علي الفارسي أستاذه أربعين سنة، واستوعب علمه، وزاده تفصيلا وتعليلا وتدليلا، وقد رأى الفقهاء وضعوا للفقه أصولا، والمتكلمين وضعوا للعقائد أصولا، فأراد أن يضع للغة والنحو كذلك أصولا، فكان بذلك واضع علم جديد يقول فيه: «إنه من أشرف ما صنف فيه من علم العرب، وأذهبه في طريق القياس والنظر، وأجمعه للأدلة على ما أودعته هذه اللغة الشريفة من خصائص الحكمة، ونيطت به من علائق الإتقان والصنعة»، ووصف ما كان يعاني في ذلك الباب من إمعان النظر، وطول التفكير، ومقارنة الأشياء بالأشياء، وموازنة النظائر بالنظائر، فكان له من ذلك كله اكتشاف كثير من حقائق اللغة، وسر الوضع، ورسم مناهج القياس.