تقاعس العز بنا فاقعنسسا
على كل حال، بدأ العلماء يجمعون اللغة من أفواه العرب سواء في ألفاظها وأساليبها، وقد بذلوا في ذلك جهدا مشكورا، وتحملوا في ذلك من العذاب ما لا يستطيعه إلا أولو العزم، وفضلوا أن يأخذوا عن العرب العرباء الذين لم تفسدهم الحضارة ولا الاختلاط، وعدوا أصح من تؤخذ عنهم اللغة؛ وهم: قيس، وتميم، وأسد، ثم هذيل، وبعض كنانة، وبعض الطائيين، ولم يأخذوا عن غيرهم من سائر قبائلهم، كما لم يأخذوا عن حضري، ولا عن سكان البراري ممن كان يسكن أطراف بلادهم المجاورة لسائر الأمم الذين حولهم.
ولكن يؤخذ عليهم أنهم ساروا في الجمع حيثما اتفق؛ فلم يفردوا كل قبيلة بما أخذ عنها، ولو فعلوا ذلك لأفادونا فائدة كبرى، وفي رأيي أن كثيرا من الاضطراب في اللغة - كالذي نراه في أوزان جموع التكسير المختلفة، وجمع الكلمة على أشكال عدة؛ مثل جموع ناقة وعبد - سببه اختلاف لغات القبائل، وأن كل لغة كان لها موازينها القياسية المطردة غالبا، وكذلك اختلاف أوزان الأفعال الثلاثية كثير منها كان سببه هذا، وكذلك تعدد المصادر للفعل الواحد؛ ففعل لقي - مثلا - له أكثر من عشرة مصادر، وما أظن أن قوما عقلاء يجعلون للغتهم مصادر أكثر من عشرة لكلمة واحدة، وهذا ما جعل اللغة العربية تنوء بالمترادفات، فلو أن جامعي اللغة جمعوها على نمط منظم لأفردوا كل لغة بمجموعة، وكان هذا يفيدنا كثيرا في تنظيم لغتنا، وحذف ما يحذف، وإثبات ما يثبت.
كما يؤخذ عليهم أنهم لم يفرقوا في جمعهم بين اختلاف الكلمات الواحدة من حيث مادتها وبين الكلمات المختلفة بحسب اللهجات؛ فقد تكون الكلمة واحدة في الأصل، ولكن اختلفت لهجات القبائل في وضع حرف مكان حرف، أو تقديم حرف وتأخيره؛ مثل أن تقول قبيلة: نكف عن الشيء، وقبيلة: كنف؛ ومثل: عاث يعيث، وعثا يعثو، والشيء الشائع، والشيء الشاعي، وبضا بالمكان وباض؛ أي: أقام؛ ومثل: كدر وكدل وكدن، إلى كثير من أمثال ذلك.
والمعاجم مملوءة بها وبتعدادها، مع أن الواضح فيها أن أصل المادة شيء واحد، واختلفت فيها اللهجات، فلما جاء أصحاب المعاجم جمعوا هذا حيثما اتفق أيضا، وكان الواجب أن يكون بعد هذا الجمع الترتيب والتبويب والغربلة والدراسة، كما هو الشأن في كل علم تجمع مادته الخاصة حيثما اتفق، ثم تفحص وترتب حسبما يدل عليه العلم؛ فمثلا: جمع المشتغلون بالحيوان أصناف حيوانات البحر وسموها سمكا؛ اعتمادا على سكنى الماء وتماثل الصورة، وجعلوا صنفا يسمى الرهيل من السمك لهذه الشواهد الظاهرية، فلما عني علماء الحيوان بالبحث وجدوه من ذوات الثدي، فألحقوه بالخيل والبقر، وأخرجوه من دائرة الأسماك.
وعد الأقدمون الأجرام السماوية من ذوات النفوس، لما شاهدوا في حياتهم الأرضية من أن المتحرك من غير محرك محسوس لا يكون إلا ذا نفس وإرادة، فجعلوا للنجوم نفوسا وإرادات، وعدوها أرقى من الإنسان؛ لأنها في السماء وهم في الأرض، فلما اكتشف قانون الجذب، وتقدم العلم، تبين أنها ليست بذات أنفس وإرادات، وإنما هي مادة جامدة كالأرض، إلى كثير من هذه الأمثلة.
وقد قصر أصحاب المعاجم في بحثهم المستقصي عن النمط العلمي.
وكان هذا الجمع هو المادة الخامة للغويين والنحويين؛ فأما النحويون والصرفيون فقد برعوا في القياس إلى أقصى حد، فكل علمهم قياسي؛ نظروا إلى الأعم الأغلب فجعلوه قاعدة، وجعلوا ما جاء على خلافها شاذا لا يصح لنا الإتيان بمثله؛ فالعرب لم تلتزم - مثلا - نصب اسم إن، ولا رفع خبرها، ولا عطف المرفوع على المرفوع، والمنصوب على المنصوب، وهكذا، بل ورد في القرآن رفع اسم إن في قوله تعالى:
إن هذان لساحران ، وجاء فيه:
والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة ، وقوله:
إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى ، فقعدوا قواعدهم على الكثير الغالب.