نعم، تنبه بعض الشعراء لهذا، ووضعوا أغاني أرقى مما وضع من قبلهم، ولكن أكثرها بكاء وحنين وذوبان، وهي من الأدب الذي سميته أدبا مائعا، والذي لا يصح لأمة ناهضة أن تقتصر عليه، بل أين شعراء الشرق الذين تغنوا بما حوته طبيعة بلادهم من جمال وإبداع، فرقوا ذوق شعوبهم وأشعروهم بجمال الطبيعة، وغذوا عواطفهم، وعودوهم تقدير الجمال والهيام به؟!
لقد قصر شعراء العرب قديما وحديثا في هذا الباب، فلا نعثر منه في الأدب العربي إلا على قليل، وهذا القليل لا يكفينا الآن، ولا يسد رغباتنا؛ لأن شعر الطبيعة قد رقي عند الأمم، وأصبح مؤسسا على شيئيين لا بد منهما؛ وهما: علم بالطبيعة ومعرفة بقوانينها، وحب للطبيعة وهيام بها، ثم صياغة ذلك في قول ساحر جذاب، وهذا الضرب من الشعر قطع فيه المحدثون من الغربيين شوطا بعيدا، وسبقوا فيه من قبلهم بمراحل طويلة.
وبعد هذا كله، أين الشعر الاجتماعي العربي الذي يساير نزعات أمم الشرق ومطامعها وآمالها في الحياة؟ إن أمم الشرق تنزع إلى الحرية، وتأمل أن تتبوأ في العالم الإنساني المكان اللائق بها، وتنشد ضروبا من الإصلاح الاجتماعي ترى الحاجة ماسة إليه، وكلها مجال فسيح للشعر يلهب حماستها ويقوي إيمانها ويهديها سبل الحياة؛ فأين الشعراء الذين وقفوا هذه المواقف، وقادوها قيادة صالحة؟
إن عواطف الأمم الشرقية ساغبة تنتظر من يغذيها ولا تجده.
الحق أن أدباء النثر قد أدوا رسالتهم خيرا مما أداها أدباء الشعر، وفي كل من الفريقين تقصير.
الفصل السادس
| مدرسة القياس في اللغة
من طبيعة الأشياء أن يكون في كل جماعة بلغت شأوا ما من الرقي طائفة من المحافظين، وطائفة من الأحرار؛ فالمحافظون بطبيعتهم ميالون إلى السير على القديم، من غير تفكير في تغييره ولا الخروج عليه، ويدعوهم إلى ذلك: إما خمودهم الذهني، وفقدان النشاط العقلي الذي يبعث على التفكير ويدعو إلى التغيير، وإما حب السلامة وعدم تنغيص الحياة بما يستوجبه التجديد من الاضطراب والتعرض للنقد، وإما منفعتهم الشخصية من النظام القديم على وجه ما، وإما إخلاصهم للقديم وإجلالهم له؛ لما أسبغ عليه من تقديس.
والأحرار ميالون إلى التجديد، يدعوهم إلى ذلك نشاط ذهنهم، وما يرونه في القديم من عيوب تدعوهم إلى نقدها وتغييرها، ولهم من الشجاعة والغيرة ما يحملهم على مجابهة القديم والدعوة إلى الجديد.
هذا هو الشأن دائما في تاريخ الحياة الإنسانية؛ وقد كان هذا عند العرب كما كان عند غيرهم؛ فالدعوة إلى الإسلام نفسه دعوة إلى التجديد، وكان في الصحابة أنفسهم محافظون وأحرار، قد يمثلهم جميعا عمر بن الخطاب وابنه عبد الله.
وجد هؤلاء الأحرار والمحافظون في الفقه؛ فكان أهل الحديث الذين يقفون عند جمعه واستنباط الأحكام منه، وأهل الرأي أو أهل القياس، وهم الذين يقيسون ما لم يرد فيه نص على ما ورد فيه نص، وهذا هو الشأن في كل جماعة يشتغلون بكل علم: منهم من يقف عند ما قرره العلماء، ومنهم من يبتكر ويستنبط ويبين خطأ من قبله ويصححه.
وكذلك الشأن في اللغة حتى بين الأدباء؛ فمن الشعراء والأدباء من كان يلتزم ما ورد في اللغة ولا يخرج عنه بحال من الأحوال، ومنهم من كان يجيز لنفسه أن يجدد؛ فيحكون عن العجاج وابنه رؤبة أنهما كانا يصوغان ألفاظا لم يسبقا إليها، ويروى عن بشار أنه كان يقيس ما لم يرد على ما ورد؛ فرأى العرب تصوغ فعلى من الفعل للدلالة على السرعة، فقالوا: جمزى لسرعة السير، فقاس عليها وقال:
والآن أقصر عن سمية باطلي
وأشار بالوجلى على مشير
وقال:
على الغزلى مني السلام فربما
لهوت بها في ظل مخضلة زهر
وعابه المحافظون على ذلك، فقالوا: لم يسمع من العرب وجلى ولا غزلى. وأنشد الخليل رجل فقال:
ترافع العز بنا فارفنععا
قال الخليل: فقلت هذا لا يكون، فقال: كيف جاز للعجاج أن يقول: