تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهذه الظاهرة - وهي سير النثر إلى الأمام في سرعة وقفز، وسير الشعر في بطء وتمهل - هي التي جعلتنا نتذوق النثر في ذلك العصر؛ لأن الصلة بين نثرنا والنثر القديم صلة ضعيفة قد خالفناها كل المخالفة، ولم يبق منها إلا أساس التركيب الذي تقتضيه طبيعة اللغة، بل إن مسافة الخلف بين نثرنا والنثر من عشرين سنة بعيدة كل البعد، وعلى العكس من ذلك الشعر، فالفرق بين الشعر القديم والحديث قليل تافه، ومع هذا، فالشعر يجب أن يخضع لسنة النشوء والارتقاء، ويجب أن يتقدم ويجاري الزمان، كما حدث في الشعر الغربي.

يجب أن يتقدم الشعر في كل من عنصريه؛ عنصر الوزن وعنصر المعنى؛ ففي الوزن نرى أن العرب في الجاهلية صبت شعرها في ستة عشر بحرا، وكان خضوعها لهذه البحور لا لأنها حصرت كل ما يمكن أن يكون، ولكن ابتكروا - أولا - بحرا أو بحرين، ثم جاء الخلف فزادوا هذه البحور شيئا فشيئا، لا يهديهم في الابتكار إلا الأذن الموسيقية، وهم لا عيب عليهم في ذلك، ولكن العيب عيب من أتى بعدهم فقدسوا هذه البحور، ولم يشاءوا أن يخرجوا عنها قيد شعرة.

وقد تحكم العلماء والأدباء في أذواق الناس، فأبوا عليهم أن يقولوا في غيرها، أو أن يشذوا ولو قليلا عنها، وهو تقديس في غير محله؛ لأن أوزان الشعر - كما قلنا - هي موسيقاه، وكما تطورت الموسيقى في العصور، واخترعت نغمات، وولد من القديم نغمات جديدة، وكانت موسيقى العصر العباسي غير موسيقى العصر الأموي، وهما غير موسيقى الجاهلية، كان واجبا أن يغير الشعراء موسيقى الشعر، ولا يقفوا عند الحد الذي رسمه الجاهليون.

وعجيب أن نسمح في عصرنا للموسيقى الشرقية أن تطعم بالموسيقى الغربية، ونهيئ آلاتنا للتوقيع عليها بهذه النغمات الجديدة، ونهيئ آذاننا لسماعها، ثم لا نفعل ذلك في الشعر! نعم، أخذ بعض الناس يتحللون من قيود البحور والقوافي الجاهلية؛ كما فعل الأندلسيوف بالموشحات وما إليها، ولكن وقف من بعدهم على اختراعهم، ولم يسيروا على سنتهم في التقدم.

يجب أن يتحرر نوابغ الشعراء من هذه القيود، ويشعروا بما يحسون، ويوقعوا على النغمة التي يرتضون، وليس الحكم بيننا وبينهم هو البحور الستة عشر، ولكن الحكم هو الأذن الموسيقية، والأذن الموسيقية وحدها، وكما نرجع في كل فن إلى الخبيرين نستفتيهم ونحتكم إليهم، فكذلك في هذا الضرب، يجب أن نحتكم إلى من رقت أذنهم الموسيقية وأذواقهم الفنية، وليس في هذا ضير ما على ثروتنا القديمة في الشعر، فإنا باختراعنا بحورا وأوزانا نزيد في ثروتنا إلى ثروتهم، كما نزيد في موسيقانا إلى موسيقاهم، وفي علمنا إلى علمهم.

أما من حيث الموضوع ومعاني الشعر، فمجال القول فيه أوسع، وتقصير الشعراء فيه أبين، ولئن كانت كل أمة تعد الشعر ديوانا تسجل فيه نزعاتها وآمالها وحياتها، فإني أخشى أن يكون الشعر العربي سجلا ناقصا لم يدون فيه إلا وقائع قليلة من نزعات كثيرة، وصفحات ضئيلة من حياة حافلة مركبة معقدة؛ لقد دون الشعر كثيرا من وقائع المديح والرثاء والغزل والخمريات وما إليها، وهذا حسن، وهو ضرب من الشعر لا بد منه، ولكن ليس هذا كل مشاعرنا ولا أكثرها.

لقد مررت في هذا العام على تلاميذ مدارس ثانوية خارجين من لعب الكرة، فسمعت بعضهم يصيح: «يا محني ديل العصفورة، ومدرستنا هي المنصورة»، فجرت من عيني دمعة على ما نحن فيه من ضعة وانحطاط، وقلت أين الشعراء يضعون الأناشيد تجاري نفسية الطلبة، وترقي من مشاعرهم، وتزيد في روحهم حماسة وقوة، وتميز الطبقة المتعلمة من طبقة العامة وأمثالهم؟

وأتى كشافة العراق ينشدون الأناشيد المختلفة في المناسبات المختلفة، فلم يجد كشافة مصر ما يجيبونهم به ويساجلونهم فيه إلا هراء من الكلام وسخفا من الغناء، ثم أين الشعراء يضعون أغاني للشعب وأغاني للمتعلمين تناسب حياتهم وموقفهم الاجتماعي؟

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١١٦٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١١٦٤