ويعد المترجم أمينا إذا هو استطاع أن ينقل هذا، أما طريقة الأداء فلا يمكن ترجمتها؛ نعم، إن بعض الشعراء قد يقرأ القطعة من الشعر، ويكون له قدرة فنية فيصوغ هو شعرا مستمدا من وحي ما قرأ، وقد يجري مع الأول في واد واحد، وتكون له عذوبة ما للأول، ولكن ليس هذا ترجمة على الإطلاق.
كذلك يثير الشاعر الشعور بما عنده من لطف النظر، أو الإلهام، أو اللقانة، أو ما شئت فسمه، فللشاعر روح غامض طبع عليه لا يكتسب بتعلم، به ينظر إلى الأشياء نظرا خاصا، وبه يبعث الشعور عند السامع، ولعل هذا هو الذي جعل شعراء العرب يعتقدون أن لكل شاعر شيطانا ينفث فيه الشعر، ولأمر ما خلط العرب فسموا النبي شاعرا أحيانا، وكاهنا أحيانا،
وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون * ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون .
وللشاعر ناظر باطن للحياة، يغوص فيها ويستخرج معانيها، ويعرضها في شعره، ولأن الشعر هو معنى الحياة كان شعر كل عصر مرآة له، وقديما قالوا: (الشعر ديوان العرب)، والحق أنه ديوان الأمم، تسجل فيه حياتها وأفكارها ومشاعرها؛ فالشاعر يعطينا صورة روحية حية أكثر مما يعطينا إياها التاريخ، والشعراء عادة في مقدمة قومهم شعورا، وشعرهم إيذان بالفلسفة وإرهاص لها؛ فهم يلهمون الشيء إلهاما غامضا، ثم يتضح ما ألهموا به على مر الأزمان، وتأتي الفلسفة بعد فتشرح وتحلل وتدلل. •••
أما الوزن في الشعر فهو موسيقاه، وله قيمة كبرى في الشعر، حتى عد أهم فارق بينه وبين النثر، والشعر يقوى بالموسيقى الجيدة، ويضعف شأنه إذا ساءت موسيقاه، وارتباط الشعر بالموسيقى أشد من ارتباط الفنون الأخرى؛ كالنقش والتصوير، حتى كان الرومان يقولون: «إن الشعراء ليسوا إلا مغنين يترنمون بشعرهم، ويغنون به لأنفسهم ولمن شاء أن يردده بعدهم».
ومن أنواع الشبه بين الموسيقى والشعر ما لاحظه بعضهم من أن كلا منهما يتنوع أنواعا متماثلة؛ فالصوت يختلف عن الصوت من نواح أربعة : (1)
من ناحية الطول والقصر. (2)
والغلظة والرقة. (3)
والارتفاع والانخفاض. (4)
ومن ناحية مصدر الصوت؛ كعود أو قانون.
وهذه النواحي الأربعة يمكن أن نراعيها في الشعر؛ فمن النوع الأول اختلاف التفاعيل طولا وقصرا، فالرجز أقصر في التفاعيل من الطويل، وهكذا؛ ولهذا الاختلاف تأثير كبير في الأذن الموسيقية.
كذلك نرى في الشعر ما يتناسب مع الشدة والضعف والغلظة والرقة؛ فالشعر قد يناسبه - أحيانا - حروف وكلمات ضخمة قوية، وقد يناسبه حروف وكلمات لينة رخوة؛ كالذي قالوا في قوله:
ألا أيها النوام ويحكمو هبوا
أسائلكم: هل يقتل الرجل الحب؟
فالشطر الأول قوي شديد، والثاني رخو ناعم.
وفي الشعر ما يناسبه الهدوء والرقة؛ كشعر الغزل، ومنه ما يناسبه الشدة والبطش، ويناسبه إنشاده في قوة وجلبة؛ كشعر الحماسة.
ونلاحظ في الموسيقى أن النغمة الواحدة إذا وقعت على الكمنجة، ثم وقعت بعينها على البيانة، كانت النغمتان مختلفتين تأثيرا، وهذا يقابله في الشعر القافية؛ فالقصيدة على قافية قد يكون لها أثر لا يكون إذا قيلت على قافية أخرى، وهكذا. •••
والشعر أقل تقدما وأبطأ خطى من النثر؛ سواء في ذلك اللغة العربية وغيرها من اللغات، وسبب ذلك على ما يظهر أن الشعر لغة العواطف، والنثر لغة العقل، والمشاعر والعواطف قليلة التغير بطيئة الرقي، وما حدث فيها من تغير فأكثره تغير في الشكل لا في الموضوع، أما العقل فراق أبدا، وثاب في الرقي، ومظهر ذلك الرقي العلمي الذي نحسه من سنة إلى أخرى، ولأن الشعر تعبير شخصي؛ وأعني بذلك أن الشاعر يعرض علينا في شعره مشاعره ونظراته إلى الحياة وإحساسه بها.
أما الناثر فعالمي إنساني، يعرض الشيء كما هو لا كما يرى، تحس في الشعر دائما بالشاعر يحدثك عن نفسه، وتحس في النثر بعقل يخاطب عقلك، وإن شعرت بالشاعر فمن وراء حجاب، ومن أجل هذا خضع النثر للمنطق ولم يخضع له الشعر، ترى في الشعر غالبا مبالغة لا يرضاها المنطق، وتناقضا لا يقره المنطق، وتحكما في الحكم لا يؤيده المنطق، وتخبطا وهراء يغتفرهما العقل في الشعر ولا يغتفرهما في النثر.