ونوع آخر من الأدب يصح أن يستغله الأدباء، وهو أن يعمدوا إلى الأدب القديم، وأبطال الشرق، والأحداث التاريخية العربية، فيجعلوا منها موضوعا لدراستهم، ثم يلقوا عليه أضواء مما وصل إليه العلم الحديث، والأدب الحديث، وعلم النفس الحديث، فيترجموه إلى لغة العصر، ويبرزوه في شكل يناسب ذوق الجمهور، ويحبب إليهم قديمهم.
إنهم إن فعلوا ذلك استطاع من لا يعرف لغة أجنبية أن يجد غذاءه في الأدب العربي، واستطاع أن يكون إنسانا مثقفا تكفيه ثقافته، واستطاع من يعرف لغة أجنبية أن يباهي بأدب قومه كما تباهي كل أمة بأدبها، وفي ذلك اعتداد بشخصيتها العربية الشرقية لا يستهان به.
الفصل الخامس
| التجديد في الأدب (الشعر)
من قديم حاول الأدباء والنقاد أن يضعوا تعريفا للشعر، فاختلفت تعاريفهم؛ لاختلاف أنظارهم، ولأن كلمة الشعر استعملت في معان مختلفة، فكان كل أديب يعرفه حسب نظره، وحسب المعنى الذي يرمي إليه، وكان سواء في ذلك أدباء العرب والفرنج.
ذلك أن الشعر - على العموم - يتكون من عنصرين أساسيين، وهما: الوزن والقافية أولا، وإثارة المشاعر ثانيا، فإذا فقد الكلام عنصرا من هذين العنصرين لم يصح أن يسمى شعرا، غير أن بعض العلماء طغى عليه النظر إلى عنصر الوزن فعرفه تعريفا أفقده روحه، فقالوا: إن «الشعر هو الكلام الموزون المقفى»، ومثله قول بعض الفرنج: «أي كلام موزون يسمى شعرا؛ سواء أكان جيدا أم رديئا»، وعلى هذا التعريف فألفية ابن مالك شعر، وقواعد الحساب المنظومة شعر، والمتون الفقهية المنظومة شعر.
كما أن بعض العلماء طغى عليه النظر إلى روح الشعر ومعناه ، فعرفوه تعريفا أفقده موسيقاه؛ كالذي قال بعضهم: «الشعر فيضان من شعور قوي نبع من عواطف تجمعت في هدوء»، ومثله قول رسكن: «الشعر إبراز العواطف النبيلة من طريق الخيال»، وهو تعريف يصح أن يكون للأدب كله؛ نثره وشعره، بل للفن جميعه؛ من أدب ونحت وتصوير وموسيقى.
وابن خلدون نقد التعريف بأنه الكلام الموزون المقفى، وقال إنه إن صح تعريفا عند العروضيين لا يصح عند البلاغيين، ثم اختار أن يعرفه «بأنه الكلام البليغ المبني على الاستعارة والأوصاف، المفصل بأجزاء متفقة في الوزن والروي، مستقل كل جزء منها في غرضه ومقصده عما قبله، الجاري على أساليب مخصوصة»، وعيب هذا التعريف أنه ممل، وأنه لم يلتفت إلى مزية الشعر وروحه، وهو إثارة المشاعر، واستقلال كل جزء منه في غرضه ومقصده ليس من العناصر الأساسية التي يصح أن تدخل في التعريف.
فلو قلنا إن الشعر هو الكلام الموزون المقفى، المنبعث عن عاطفة، والمثير لعاطفة، كان تعريفا أقرب إلى الصواب.
فإذا وجدت نوعا من الأدب يجمع الوزن والاتصال بالمشاعر فسمه شعرا وإلا فلا.
والشعر يثير المشاعر بما فيه من خصائص:
فأولا:
بأوزانه وقوافيه؛ ولذلك كان المعنى الواحد إذا قيل مرة شعرا ومرة نثرا كان في الشعر أقوى أثرا.
وثانيا:
بلغته؛ فللشعر لغة غير لغة النثر، ولسنا نعني بلغة الشعر الكلمات الغريبة أو أنواع البديع أو نحو ذلك، فقد يكون الشعر في منتهى الرقي وكلماته في منتهى السهولة، وهو كذلك خلو من كل أنواع البديع، إنما الذي نعنيه أن للشاعر ملكة لا يمكن أن نوضحها تمام الوضوح، بها يستطيع أن يتخير من ألفاظ اللغة ما يرى أنها أبعث للشاعر، وهو كذلك يضعها في قوالب يتخيرها من القوالب العديدة والتراكيب اللغوية المختلفة، وهذا هو ما يجعل الشاعر شاعرا؛ فقد يكون عندنا شعور فياض كالشعور الذي عند الشاعر أو أغزر منه، ولكن ليس لنا هذه القدرة على الإفصاح واختيار الألفاظ والقوالب والتراكيب، ومن ثم كان من المستحيل ترجمة الشعر إلى شعر؛ لأن الترجمة لا ترينا ما للشاعر من قدرة فنية على اختيار الألفاظ والأساليب، والذي نترجمه هو المعنى الذي حواه الشعر وما فيه من تصوير وخيال.