إن شئت فوازن بين ما يدرسه الطالب في المدارس الثانوية أو العالية في الأدبين، فهو في الأدب الغربي يدرس شكسبير وأمثاله، فيجد موضوعا شيقا يمثل حالة من الحالات التي تتصل بنفسه، وتمس حياته الاجتماعية بقدر ما، قد صيغت في قالب فني رشيق، فخرج من الدرس يحبها ويحب موضوعها، أما في الأدب العربي، فيدرس مختارات من جرير والفرزدق والأخطل، أو مختارات من مقامات البديع والحريرى أو نحو ذلك، وهذه كلها لا تمثل ناحية اجتماعية يحياها أو ما يقرب منها، ولا فكرة عميقة حللت تحليلا واسعا؛ لذلك يخرج منها وهو لا يحبها، أو على الأقل يكون على الحياد منها.
لست أنكر أن في جرير وأمثاله، والمقامات وأمثالها، وفي الأدب العربي على العموم، جمالا وفنا وإبداعا، ولكن ذلك لا يدركه إلا الخاصة الذين مرنوا طويلا على الدرس، وبذلوا الجهد في تدريب أذواقهم على تقويمه واستساغته، وليس ذلك في استطاعة كل الطلبة، ولا أكثرهم.
فإن أنت نظرت إلى الأدب العربي الحديث فماذا ترى؟ ترى كثيرا من الأدب الغربي قد ترجم إلى العربية، وليس من الحق أن يعد هذا أدبا عربيا في جوهره وموضوعه؛ إذ ليس له من العربية إلا لغة ملتوية على النمط الغربي، وترى نتاجا مبتكرا قليلا، وأكثر هذا القليل مقالات وفصول جمعت بعد ذلك وسميت كتبا مجازا، ولا تربطها وحدة غالبا، والبقية الباقية من القليل هي التي يصح أن تسمى أدبا عربيا حديثا لم يكتمل.
ذلك في نظري أكبر سبب في انصراف جمهور المتعلمين عن الأدب العربي، فإن أريد إقبالهم عليه فلا بد من إنتاج حديث وافر يغذي كل مشاعر الحياة كما يغذي العقول، وليس من الحق أن ندعو السواد الأعظم إلى الأدب العربي قبل أن نستكمله، أو على الأقل نوجد فيه ما يسد رمقهم، وإن أردنا الإنصاف فواجب أن ندعو الدعوتين: دعوة الأدباء في العربية إلى أن ينتجوا، ودعوة القراء إلى أن يقرءوا.
ولن ينجح الأدباء إذا اقتصروا على أن يحتذوا حذو القدماء شكلا وموضوعا دون أن يمسوا حياتهم الواقعية وبيئتهم الاجتماعية ومشاعرهم النفسية؛ فالأدب متغير، خاضع لقانون النشوء والارتقاء، فإذا تقيد أدباؤنا بالموضوعات التي عالجها القدماء، وبالأشكال التي صب فيها الأدب القديم عد أدبهم قديما لا حديثا، ولم يصلح علاجا لما نصف من أمراض.
مثال ذلك: أنا إذا وضعنا أيدينا على مختارات البارودي - وهو كتاب ضخم في أربعة أجزاء، اختار فيها الثلاثين شاعرا من شعراء العصر العباسي - وجدناه قد اختار نحو أربعين ألف بيت؛ منها أربعة وعشرون ألفا في المديح، وإذا أضفت الهجاء والرثاء إلى المديح وجدت جميع ذلك يقرب من ثلاثين ألفا، والربع الباقي في الأدب والصفات والزهد والنسيب!
فترى من هذا إفراط الأدباء القدماء في وصف العواطف الشخصية؛ من كرم ورثاء وهجاء، وتقصيرهم في أبواب كثيرة؛ أهمها وصف المناظر الطبيعية، وتحليل الانفعالات النفسية، وغير ذلك من ضروب الأدب.
وهذا التقصير وقع في الأدب الأوربي القديم كما وقع في الأدب العربي؛ فلو قرأنا شعر هوميروس وفرجيل ودانتي، وجدنا فيه قليلا من وصف جمال الطبيعة؛ من جبال وبحار ونجوم، على حين أن الشعر الأوربي الحديث قد ملئ بهذا الضرب من القول، وأبدع الشعراء فيه إبداعا لا حد له؛ فأفاضوا في القول في السماء ونجومها، والأشجار وازدهارها وذبولها، والبحار والصحراء وغيرها، ووجدوا في ذلك كله كنوزا استمدوا منها شعرهم، وكان تقصير القدماء وإجادة المحدثين في ذلك قانونا طبيعيا؛ لأن الإعجاب بجمال الطبيعة نتيجة رقي كبير في الذوق، فإذا قصر أدباؤنا المحدثون في هذا - كما هو حادث الآن - وتابعوا الأقدمين في المديح والهجاء والغزل فقط، ظل نقص الأدب العربي على ما هو عليه.
كذلك يعيش الشرقي عيشة خاصة غير التي كان يعيشها آباؤه؛ سفرت المرأة بعد حجابها، وتغير في العشرين سنة الأخيرة كل نظم الحياة تقريبا؛ من معيشة بيئية، ونظم اجتماعية، وحياة سياسية، وأصبح كل باب من هذه الأبواب يتطلب قصصا جديدا وشعرا جديدا وكتبا أدبية جديدة، فإن نظر أدباؤنا إلى دواوين الشعراء الأقدمين ولم ينظروا إلى دواوين الطبيعة وصحائف العالم الذي فيه يعيشون فلا أمل في شعرهم ولا نثرهم، وظل المتعلم منصرفا عنهم إلى الأدب الغربي على الرغم منهم.