تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قد يكون هذا سببا صحيحا، ولكنه فيما أرى ليس بالسبب الجوهري؛ فإن بعض اللغات الأجنبية التي تدرس بيننا ليست دراستها بأحسن حالا من دراسة اللغة العربية، ومع هذا فالطلبة يسيغون أدبها، ويتذوقون كتبها بما لا يظفر ببعضه الأدب العربي.

أهم سبب عندي يرجع إلى موقف الأدبين؛ الأدب العربي والأدب الأوربي؛ ذلك أن كل أدب أوربي له قديم وحديث، والأدب الحديث هو الذي يناسب جمهور المتعلمين وعامة الشعب؛ لأنه في الغالب يعرض لما يشعرون به فيعبر عنه التعبير الفني؛ فالأديب المحدث يرى ظاهرة اجتماعية فيضعها في قصة، أو منظرا جميلا فيضعه في قصيدة، أو معنى أثارته في نفوس قومه أحداث سياسية أو اقتصادية فيضعه في مقالة أو كتاب، فيقبل الجمهور على قراءة ذلك ويعجبون به، وسبب الإعجاب أن الأديب شعر بما يشعر به الجمهور، واستطاع أن يعبر عنه التعبير الفني الذي لا يستطيعه الجمهور.

أما الأدب الأوربي القديم، فإنما يناسب خاصة المتعلمين؛ لأنه يتطلب دراسة لغوية وأدبية عميقة، كما يتطلب - لتفوقه - أن يلم المتعلم بشيء كثير من المسائل التاريخية والاجتماعية التي أحاطت بالأديب وبالقطعة الفنية؛ حتى يستطيع أن يفهمها فهما صحيحا، وليس ذلك في مكنة السواد الأعظم من الناس؛ فالذين يفهمون الإلياذة والأوديسة وخطب ديمستين قليل بالنسبة إلى الذين يقرءون الأدب الحديث ويفهمونه، وكذلك الذين يفهمون الأدب الإنجليزي أو الفرنسي في القرون الوسطى ويتذوقونه هم الخاصة من الأدباء، وإن قرأ الجمهور شيئا من الأدب القديم فإنما يقرأه مترجما إلى اللغة الحديثة، أو معروضا في شكل جديد قد ذللت فيه كل الصعوبات التي يحتمل أن يلقاها القارئ العادي، أما الأدب الإنجليزي أو الفرنسي الحديث، فيكاد يكون من حظ الإنجليز أو الفرنسيين جميعا.

وسبب ذلك أن الأدب هو نقد الحياة في أسلوب فني، وإذا كانت كل أمة تفهم حياتها الحاضرة فهما ما - وإن اختلفوا في مقدار الفهم - كان الأدب الحديث أقرب إلى فهمهم وأيسر متناولا لجمهورهم، وإذا كان الأدب القديم وصفا لحياة قديمة لا يستطيع فهمها فهما صحيحا إلا من عرف بيئتها وتاريخها كان ذلك الأدب أدب الخاصة. •••

وبعد، فالأدب العربي أدب قديم لا حديث له، وإن شئت تعبيرا دقيقا فقل إنه أدب قديم لم يستكمل حديثه؛ لذلك كان الأدب العربي أدب الخاصة لا أدب الجمهور.

لا يستطيع القارئ أن يفهم الأدب العربي القديم إلا بفهم دقيق للتاريخ، وفهم بالغ للظروف الاجتماعية التي نشأ فيها الأدب، ومعرفة واسعة بالجغرافيا، وعلم تام بقوانين الصرف المعقدة - كأنها قوانين اللوغارتمات - ليعرف كيف يبحث في معاجم اللغة العربية عن كلمة غريبة، وليس يصبر على ذلك كله إلا المجاهدون الصابرون، وقليل ما هم.

يريد سواد المتعلمين أن يغذوا مشاعرهم من حب يحلل تحليلا دقيقا، أو إعجاب بمنظر طبيعي ملك عليهم نفوسهم، فأرادوا أن يصور هذا الإعجاب في قطعة فنية، أو تبرم بأسر ورق، فهم يريدون أدبا يتغنى بالحرية، ويحفز النفوس إلى تحقيقها، أو ألم من سوء حالة اجتماعية فهم يبتغون قصة تمثلها، أو قصيدة تصفها، أو كتابا يحللها، أو نحو ذلك من ضروب المشاعر، فلا يجدها في الأدب العربي الحديث إلا قليلا نادرا، فيضطر إلى الأدب الأجنبي يقرؤه ويتغنى به ويستمرئه.

وهو على الرغم من أن ذلك الأدب ليس بلغته، ولا يصف مشاعر تمثل بالدقة مشاعره، ولا يحلل حالات اجتماعية تشبه مشابهة تامة حالاته، على الرغم من ذلك كله مضطر أن يقرأه؛ إذ ليس عنده من أدبه ما يكفي لغذائه، وفي الأدب الغربي كل صنوف الغذاء على اختلاف الأنواع وعلى اختلاف الأساليب؛ إن شاء سهلا وجد السهل، أو صعبا وجد الصعب، أو بين ذلك وجد بين ذلك، وإذا غمض عليه لفظ استطاع أن يكشف عنه في المعاجم من أول درس تعلمه؛ فكيف لا يهمل بعد ذلك الأدب العربي ويعكف على الأدب الغربي؟

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١١٦٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١١٦٠