تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وليس كذلك الحال في الأدب العربي؛ فالأمثال والنوادر والحكايات باللغة العامية، والأحاديث اليومية وقضاء كل شئون الحياة باللغة العامية، وليس للغة العربية إلا الكتاب وما إليه؛ ولذلك أصبح عندنا أدبان؛ أدب أرستقراطي، هو هذا الشعر والكتب التي تؤلف، والمجلات والجرائد التي تنشر، وأدب شعبي، هو الزجل والأغاني والحواديث وما إليها، وبين الأدبين فواصل كبيرة وحواجز متينة، وفي هذا ضرر كبير على الأمة والأدب معا؛ أما الأمة، فلأن شعبها لا ينتفع بنتائج المتعلمين منها، وأما الأدب، فلأنه ليس أدبا صحيحا؛ إذ الأدب الصحيح هو ما كان ظلا لحياة الأمة الاجتماعية كلها، لا لحياة طبقة خاصة منها.

ولا أمل لحياة الأدب العربي من هذه الناحية إلا بإزالة الحواجز القوية بين العامية والعربية، على أي وجه يرضاه قادة الأمة، ويحفظ للغة العربية مكانتها من حيث هي لغة الدين ورابطة الشعوب الشرقية؛ إذ ذاك تصبح اللغة حية، والتعبيرات حية، وإذ ذاك تزول الحيرة التي نعيش فيها الآن؛ فإنك تستعمل اللفظ العامي والعباراة العامية فلا تجد لهما نظيرا في العربية، وإن وجدت لهما نظيرا فنظير ميت ليس فيه حياتهما.

كنت أقرأ الآن في جريدة، فوجدت فيها كلمة «بعبع»، وكنت أسمع، فسمعت من يقول: إنه بيت «مبهوأ»، ومن يقول: «رزق الهبل على المجانين»، ووجدتني إذا أجهدت نفسي قد أعثر على تعبيرات عربية مرادفة لها أو قريبة منها، ولكن ليس فيها حياتها؛ لأن الحياة وليدة الاستعمال، وأريد الاستعمال الشعبي، وهذا أحد الأسباب في أن مقالات الأستاذ فكري أباظة، والمجلات الهزلية، والهزلية الجدية، لها من الرواج في أوساط الجماهير ما ليس لغيرها، وتتفتح لها نفوس شعبية أكثر مما تتفتح للمقالات العربية الصرفة، وترن الكلمة أو العبارة في الأذن رنينا دونه رنين العربية الكلاسيكية. (3)

وسبب ثالث، هو أن الحواجز عندنا بين العلم والأدب قوية متينة، وإن شئت فقل إنه ليس هناك صلة بين كلية العلوم والآداب، وإن الثقافة التي يتثقفها الأديب ينقصها - غالبا - قدر ضروري صالح من المعلومات العلمية، تجعله يستطيع أن يلم إلماما ما بالمخترعات والمستكشفات، ويستغلها في أدبه، وهذا القدر يلقفه الأديب الأوربي في بيته، وفيما يقع في يده من كتب ومجلات أولية، ثم في مدرسته، وأدباء الطبقة الأولى منهم كانوا على حظ عظيم من الثقافة العلمية، استغلوها في منتجاتهم، فأصبحت هناك أنواع من الأدب ومن التعبيرات والتشبيهات القوية التي تعتمد على الثقافات العلمية، أخذها منهم الشعب واستساغها، أما برنامج الأديب العربي فقاصر من هذه الناحية كل القصور؛ ولذلك كان نتاجه قاصرا كل القصور.

الفصل الرابع

| التجديد في الأدب (الموضوع)

ومن أوضح الظواهر أن الجمهرة العظمى من المتعلمين الذين درسوا أدبا عربيا وأدبا أجنبيا يعكفون على الأدب الأجنبي، يتذوقونه ويكثرون من مطالعته، في جدهم إن شاءوا الجد، وفي لهوهم إن شاءوا اللهو، وهم إن قرأوا في الأدب العربي ففي القليل النادر، وإن فعلوا لم يطيلوا ولم يتعمقوا، وقل أن يدرسوا كتابا دراسة جيدة، إنما أكبر همهم أن يقلبوا صفحات الكتاب ليقع نظرهم على أبيات من الشعر يستملحونها، أو قصة طريفة يتفكهون بها، ومكتبتهم - على قلتها - تمثل ميلهم؛ فالكتب الإنجليزية أو الفرنسية فيها غالبة، والكتب العربية قليلة نادرة، ذلك - ولا شك - حال أغلب المثقفين ثقافة عصرية.

ويذهب بعض الباحثين في تعليل هذه الظاهرة إلى أن السبب يرجع إلى فساد تعليم اللغة العربية وآدابها في المدارس؛ فإن أساتذتها لا يحببون إلى الطلاب الأدب العربي، ولا يصلون به إلى نفوسهم، وإنما هي أمثلة محدودة تتكرر عاما بعد عام، ونماذج من الشعر والنثر تعرض مرة بعد مرة، ولا غرض من دراستها إلا أن يذكرها الطلبة عند الامتحان فيؤدوها كما تليت عليهم، ثم تذهب بذهاب الامتحان؛ لأنهم قد تجرعوها على مضض، فهم يفرحون بنسيانها فرح المريض - وقد شفي - بالخلاص من دواء مر المذاق.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١١٥٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١١٥٩