تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهكذا كانت الاختراعات والصناعات والعلوم ونظم الحكم والسياسة والأدب تسير معا، لا يخطو عنصر منها خطوة إلى الأمام حتى يدرك الآخر سر تقدمه، فيعمل على أن يحتذيه، أما الأدب العربي، فيحارب متراليوزا بقوس وسهم، ويضيء في أدبه سراجا بزيت، والناس اليوم قادمون على أن يغيروا المصباح الكهربائي بخير منه، ويبكي الأطلال ولا أطلال، ويحن إلى سلع ولا سلع، ويستطيب الخزامى والعرار ولا خزامى لدينا ولا عرار!

من الحق أن نحب القديم الجميل، ونحفظه ونتعلم منه، ونعجب بما فيه من مظهر عاطفة حية وشعور قوي، ولكن لا ننشئه، وإذا قلناه وجب أن نقول معه ما نحياه ونعيش فيه.

إذا أنت لم تحم القديم بحادث

من المجد لم ينفعك ما كان من قبل

وقفت العبارة العربية حيث كانت في العصر العباسي، ولم تتقدم إلا قليلا بما اقتبس من الأدب الغربي، والذي تتطلبه من التجديد فيها أن نستمد من حياتنا الواقعية، ومن كل ما يحيط بنا، جملا حية تلائم ما في نفوسنا، وأن نخترع عبارات من المجازات والاستعارات والتشبيهات والكنايات، نستمدها من الحياة التي نعيشها، والمخترعات التي نستخدمها، وما وصلت إليه علوم النفس والاجتماع والسياسة والاقتصاد. •••

وقد عاق الأدب العربي الحديث عن الوصول إلى هذه الغاية عوائق كثيرة؛ أهمها: (1)

ما سبقت الإشارة إليه من أن المخترعات ليس لها أسماء، وأن أئمة اللغة لم يرضوا أن يستعملوا الكلمات الأجنبية، ولا وضعوا لها أسماء عربية، وتركوا الأدباء في حيرة من أمرهم، فكيف يستطيعون أن يستلهموها في جملة لتكسب المعنى قوة، وهم يفرون من التلفظ بها، ويخشون من علماء اللغة استعمالها؛ لذلك رضينا من الأدب بالعدول عنها جملة وتفصيلا، حقيقة ومجازا، وبهذا سد أمام الأديب العربي باب من أوسع الأبواب وأغزرها فائدة. (2)

وسبب آخر من أهم الأسباب في فقر الأدب العربي في التعبير، هو أن الأدب العربي الحديث أدب أرستقراطي لا أدب شعبي؛ وأعني أرستقراطية العلم لا أرستقراطية المال؛ ذلك أن الأدب الإنجليزي أو الفرنسي أو الألماني أدب شعب لا أدب طبقة خاصة - نعم، قد يرقى الأدب الإنجليزي - مثلا - فلا يفهمه إلا الراقون، ولكن بجانبه أدب إنجليزي شعبي لا يختلف عن أدب الخاصة من ألفاظه وتراكيبه وإن اختلف في دقة المعنى وبساطته - أما الأدب العربي فأدب خاص لطائفة المتعلمين تعلما راقيا فحسب، لا يشاركهم فيه العامة وأشباه العامة، وللعامة أدب بلدي خاص يستمتعون به في أغانيهم ونكتهم وزجلهم وموالياتهم، وحتى الخاصة لا يتذوقون الأدب العربي إلا في الكتب والمجلات والجرائد، أما أحاديثهم وتنادرهم وفكاهاتهم فباللغة العامية، وليست أمة من الأمم الحية الآن بين لغتها اليومية ولغتها الأدبية من الفروق ما بين اللغة العربية واللغة العامية.

نتج من هذه الظاهرة نقص كبير في الأدب العربي الحديث؛ لأن استعمال الألفاظ والعبارات في البيت وعلى المائدة وفي الشارع يكسبها حياة قوية، ويزيدها صقلا ومرونة، ولو اقتصر في استعمالها على الكتب كانت حياتها ناقصة، لا يهذبها الاستعمال ولا يرقيها الصقل اليومي، وحسبك دليلا على ذلك أن النكت والنوادر، وهي من أهم أركان الأدب، لا تجد منها سائغا عذبا في أدبنا العربي عشر معشار ما تجده في الأدب العامي، وأن النادرة تحكى بالعامية فتضحك إلى أقصى حد، ثم تحكيها باللغة الفصحى فتخرج باردة تافهة، وأن كثيرا من الألفاظ والتعبيرات العامية قد أفادها الاستعمال روحا قوية، فإذا عبرت عنها بالعربية لم تجد لها من التعبير قوة العامية وحسن دلالتها على المعنى.

وكل أمة قد كسبت من توحيد لغتها الكلامية والكتابية ما لا يقدر؛ فقد أصبح الشعب كله منتجا أدبا وتعبيرا قويا، وأصبح الحديث على المائدة وفي حجرة الجلوس وفي التمثيل والسينما يخرج أدبا جديدا ويحيي أدبا قديما، والأمة كلها تتعاون في الإنتاج الأدبي؛ هذا بتعبيره الرقيق، وهذا بنكته ونوادره، وهذا بقصته وأمثاله، وهذا بشعره، وهكذا.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١١٥٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١١٥٨