تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة ، وكره حياة حيوانية لا عقل فيها، وعاب على قوم أنهم كالأنعام بل هم أضل سبيلا، وحث على العلم وطلبه والتفكير في خلق السموات والأرض وما فيها وحرص على العنصر الرابع وهو عنصر الروح فقرر أن الحياة إذا خلت من العنصر الروحي كانت حياة تافهة لا قيمة لها.

والناس إزاء هذه العناصر مختلفون اختلافا كبيرا فمنهم من غلب عليه عنصر النبات والحيوان فكان شهوانيا، ومنهم من غلب عليه عنصر العقل فكان عالما أو فيلسوفا ومنهم من غلب عنصر الدين فكان متصوفا، ولكن خير حياة رسمها الإسلام هي الحياة التي اعتدلت فيها كل هذه العناصر ولم تفقد واحدا منها، والعلم لا يكفي في الإسعاد لا في إسعاد الفرد ولا في إسعاد المجموع، لقد ملأ العلم الدنيا آلات وأدوات واختراعات ونظريات في السياسة والاجتماع، ووصل في تقدمه إلى تحطيم الذرة، ولكن هل كفى هذا في إسعاد الناس؟ إن العلم وحده صالح لأن تستخدمه في الخير كما تستخدمه في الشر، فهو كالسكين تستخدمه في القتل فيضر، والذي يحدد استخدامه في المنفعة هو الروح التي يعبر عنها دائما بالقلب، إن العلم يستطيع أن يرقي وسائل الخير كما يستطيع أن يرقي وسائل الشر، قد كان الناس قديما يقتلون بالعصا والحجارة ونحو ذلك، فلما تقدم العلم قتلوا بالكهرباء والغازات الخانقة والطائرات والغواصات والقنابل الذرية، إنما الذي يستطيع أن يحد من شر العلم هو الروح وهو الدين وهو الإيمان بإله يحاسب الناس على أعمالهم ويطلع على ضمائرهم.

إن الدين الصحيح يغذي الشعور بالتسامي، والطموح الدائم إلى الرقي ويعالج الشعور بالنقص ويحارب الميل إلى التدني، والدين الصحيح ينقل النفس مما يعتريها من الحزن والإحساس بالفراغ والقلق الذي يعتري الإنسان إذا لم يجد سندا يستند إليه، ينقلها من ذلك كله إلى شعور بالأمن والطمأنينة والاستناد إلى قوة ليس فوقها قوة.

إن الدين الصحيح يوسع النفس حتى ترى بينها وبين الناس كلهم بل بينها وبين المخلوقات كلها نسبا كنسب الأسرة الواحدة؛ لأن ما في العالم جميعه يرتبط به ارتباط الأخوة؛ إذ هو وهي كلها من خلق الله رب العالمين.

إن الدين الصحيح يشعر الإنسان بالاتصال بعالم روحي واسع لا يقاس به عالم المادة، فإن كان العلم يحصر الإنسان في المادة وفروعها، فالدين يضم إلى هذه المادة أكبر منها وهو ما ليس بمادة، وبذلك يتسع أفق صاحبه أضعافا مضاعفة.

لقد أفهمتنا الحياة أن السير على قوانينها الطبيعية يكسب الراحة والسعادة، وأن كل سأم وقلق وملل واضطراب سببه مخالفة القوانين الطبيعية في جزء من أجزائه، وإذا كانت طبيعة الإنسان مكونة من هذه العناصر الأربعة، عنصر النبات والحيوان والعقل والروح فنقصان عنصر منها لا يمكن أن يحقق السعادة بالأخذ بحظ وافر من كل عنصر من هذه العناصر وامتزاجها امتزاجا متعادلا لا يطغى فيه عنصر على عنصر، وهذا هو نوع الحياة التي يرتضيها الإسلام.

| صورة لغاندي وأخرى لستالين

عندما أسلم الفيلسوف الكبير برنارد شو روحه العظيم كانت تشيعه ابتسامتان عريضتان من صورتين علقتا فوق سريره، صورة لغاندي وأخرى لستالين.

والحقيقة أن برنارد شو بوضعه هاتين الصورتين فوق سريره، أراد أن يضع أمامه دائما حكمة رائعة، هي أننا لن نصل إلى العظمة الحقيقية، إلا إذا بلغنا الرقي المادي والاقتصادي الذي حققه ستالين في روسيا، وبلغنا الرقي الروحي والخلقي الذي حققه غاندي في الهند.

رأى ستالين أن الشعب لن ينهض إلا إذا حرر أولا من الحاجة المادية وزال عنه شبح الجوع والحرمان، فهدف إلى إعادة البناء الاقتصادي على أساس من الحق والعدل، لقد رأى أن الرأسمالية ونظام الأجور يركزان القوة في أيدي أغنياء قلائل، أما الباقون الذين لا يملكون رءوس أموال فليس لهم إلا الإرهاق والعمل المضني مع الفقر والحرمان، فعمل على ضمان العدل، وعلى تهيئة نظام للعمل، واستطاع بواسطته أن يرفع من مستوى المعيشة في روسيا للعمال والفلاحين؛ وذلك بكثرة الإنتاج وتسهيل التقدم الفني في الصناعات.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١١٤٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١١٤٩