تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما غاندي فقد خصص حياته لتربية الروح والنفس والسمو بهما، لقد رأى المجتمع لا يقدر الممتلكات الروحية والنفسية حق قدرها، والناس تتهافت على الثروات والسلطات المادية، ورأى أنه إن اهتم الفرد بروحه وخلقه، وقدر استقلاله الذاتي وحريته الشخصية استطاع أن يصل إلى درجة عظيمة من الرقي، فدعا دعواته الروحية بين الشعوب، وبث عقيدته هذه في الملايين، وقد نجح غاندي نجاحا جعلنا نعتبره من أكبر المصلحين في التاريخ كله.

رأى برنارد شو أن للحياة اتجاهين، اتجاها تتحكم فيه المادة والقوة، وقد استطاع ستالين أن يبلغ الذروة في تنظيم هذا الاتجاه، وبلغ غاندي الذروة في تنظيم الاتجاه الآخر، وهو الاتجاه الروحي والخلقي.

في رأيي أن فلسفة القوة تستطيع أن تعيش وحدها، وأن فلسفة الروح تستطيع كذلك أن تعيش وحدها، ولكنني لا أعتقد أنهما يستطيعان أن يجتمعا معا، إلا كصورتين، وفوق سرير لفيلسوف.

| ورقة بن نوفل

في الحديث أن رسول الله

صلى الله عليه وسلم

لما أوحي إليه في أول مرة في غار حراء رعب وتمالكه البرد، حتى ذهب إلى زوجته خديجة فقال لها مرة: زملوني زملوني. ومرة: دثروني دثروني. ودعي في إحدى صور القرآن: يا أيها المزمل، وفي الأخرى: يا أيها المدثر، فأشكل الأمر على محمد نفسه، وعلى زوجته خديجة، فأشارت إليه بأن يذهب إلى ابن عمها ورقة بن نوفل؛ إذ اختلط عليهما الأمر: هل هذا وحي من وحي الكهان، أو هو وحي من جنس وحي الأنبياء، أو هو مس من الجن، أو ضرب من الجنون، أو نوع من الإلهام كالذي يجده الصوفي؟ كل ذلك جائز، فذهبا إلى ورقة بن نوفل، فسأل ورقة أسئلة خاصة، وامتحن امتحانات خاصة؛ فأولا استبعد أن يكون ضربا من الجنون أو مسا من الجن؛ لأنهما ضربان مؤذيان، وكان محمد

صلى الله عليه وسلم

خيرا؛ يصل الرحم، ويحمل الكل، ويعين على نوائب الدهر، إذا فالله لا يخزيه بالجنون أو بمس الجن، كما قالت خديجة: «كلا، لا يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل وتعين على نوائب الدهر» فهو حقيق إذا بالإكرام لا بالامتهان، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان! ثم كان أن سأل أسئلة عن طريقة الوحي، وسمع الإجابة عنها، فكان أن علم أن هذا الوحي من جنس الوحي الذي نزل على الأنبياء قبلا، وإلى ذلك أشار بقوله: «ذلك الناموس الذي نزل على موسى»، وبذلك طمأن النبي، وبشره بالنبوة، وشد قلبه ليتابع هذا الوحي باطمئنان، فأدى ورقة بذلك خدمة جليلة للإسلام.

وفي الأخبار أنه ابن عم لخديجة، كان قد تعلم العبرانية وقرأ كتبها، ورضي بالمسيحية مجردة من الخرافات والأوهام، وكان رجلا كبير السن هامة اليوم أو الغد، محترما في قومه مصدقا في قوله، قد أنست به خديجة؛ لأنه في حكم قرابتها كأبيها، فإن غش أحدا لا يغشها، وكان معروفا بين قومه بالدعوة إلى الخير والتعاون وعدم التشاحن؛ لذلك لجأت إليه خديجة، وكان شهما رأى بالفراسة وبعلمه عن الأنبياء الأولين، وأن فريقا منهم كذب، وفريقا قتل، أن محمدا سيوحى إليه، وسيكون نبيا ، وسيؤذيه قومه وسيخرجونه من بلده، ولذلك ود ورقة أن يعيش حتى يرى محمدا نبيا فيؤازره ويكون معه؛ إذ يخرجه قومه، فقال له محمد

صلى الله عليه وسلم : «أومخرجي هم؟!»، قال له ورقة: «ما أتى أحد بمثل ما أتيت به إلا أوذي»، وقد علم ورقة مما قرأ وعلم أن هذا الهيكل البشري لا بد أن تكون قد اتصلت به روح غريبة من جنس ما كانت تأتي للأنبياء من قبله، نعم إن أرواحا كاذبة كانت تتصل ببعض الخلق كالتي جاءت للكهان، والتي جاءت لسليمة ولطليحة ولسجاح ونحوهم، ولكنها ليست من جنس التي تأتي للأنبياء، وهناك أرواح طيبة دون الأرواح الأولى تنزل على بعض الأشخاص كالتي نزلت على ابن الصياد، وكان منظرا لطيفا أن رآه محمد

صلى الله عليه وسلم

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١١٥٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١١٥٠