تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهناك قوم أضافوا إلى هذه الحياة المادية من أكل وشرب ونوم حياة أخرى عقلية، فهم يخصصون جزءا كبيرا من وقتهم لاستخدام عقولهم في حياة علمية أو أدبية كرجال الجامعات والباحثين في العلوم على اختلاف أنواعها، والفلاسفة الذين يجدون للبحث وراء كنه العالم والذين يقضون كثيرا من أوقاتهم في المعامل يبحثون ويجربون ويبتكرون ... وهذا النوع من الحياة أرقى من نوع الحياة الأولى؛ لأنها جمعت بين الحياة المادية والعقلية، وجمعت بين السعادة المادية والسعادة الفكرية، ولا شك أن اللغة العقلية الفكرية أمتع وأنفع وأطول، ولكن مع كل هذا لا يرضى الإسلام عن هذه الحياة أيضا؛ لأنه يرى فيها جفافا؛ لخلوها من القلب والعاطفة، ولأن أصحابها كثيرا ما تلهيهم علومهم عن التفكير في إلههم وإذا فكروا فيه فكروا بنوع من الإنكار أو من الإلحاد أو الاستخفاف أو عدم الاكتراث.

ومن هؤلاء العلماء من بلغ تقديسهم للعقل وحصرهم أنفسهم في قوانينه أن ساروا في حياتهم على الأخلاق التي يرتضيها العقل وحده، فيعدلون مع الناس ومع أنفسهم؛ لأن هذا أنفع للمجتمع ولهم بحكم عقلهم، ويلتزمون الصدق ويقومون بالواجبات الفردية والاجتماعية؛ لأنهم يرون فيها الخير لأنفسهم ولمجتمعهم بحكم العقل فهم فضلاء بالعقل، خيرون بالعقل، ولا يلتزمون بشيء ولا يسيرون على منهج إلا إذا ارتضاه العقل، وحتى هذا أيضا لم يرتضه الإسلام؛ لأن الفضائل إذا صدرت عن العقل وحده خلت من الحرارة وخلت من القوة التي يتطلبها الدين ولذلك لما سئل رسول الله عن قوم في الجاهلية أتوا بأعمال فاضلة من كرم وشجاعة أبى أن يعترف لها بقيمة؛ لأنها لم تنبع من المنبع الذي يرتضيه الإسلام.

إنما يريد الإسلام حياة فيها مادة وفيها عقل وفيها روح، وبعبارة أخرى إن الإسلام يلاحظ أن الإنسان ركب من عناصر مختلفة ولا يمكن أن يسعد إلا إذا عاش عيشة تغذي كل عنصر من عناصره ولتوضيح هذا نقول: إن في الإنسان عنصرا من عناصر النبات في خواصه وطبائعه؛ فهو يبحث عن غذائه في الأرض كما يبحث النبات، وتؤثر فيه الفصول الأربعة كما تؤثر في النبات، ولا بد له من هواء وماء كالنبات، فلا بد لسعادة الإنسان أن يغذي هذا العنصر النباتي فيه.

كذلك في الإنسان عنصر حيواني: فهو يتحرك بالإرادة كما يتحرك الحيوان، وله شهوات وغرائز كما للحيوان شهوات وغرائز، يتشهى الأكل ويشتهي الألفة، ويتشهى الاجتماع ببني جنسه، وفيه غرائز الخوف، وحفظ الذات، وحفظ النوع، ونحو ذلك، فلا بد لسعادته من أن يحيا هذه الحياة الحيوانية أيضا.

وفي الإنسان عنصران امتاز بهما عن النبات والحيوان، أحدهما عنصر العقل: والعقل وإن ظهر في شكل بدائي بسيط ساذج في الحيوان؛ فهو في الإنسان أعلى وأرقى وأتم، وبه استطاع أن يسود الحيوان ويسخره لمنفعته - وبالعقل استطاع أن تكون له قوة أقوى من الأسد، ومكر أقوى من الثعلب، كما استطاع أن يتغلب على الحيوانات التي هي أقوى منه جسما وأوفر حظا فتغلب به على الفيل بأنيابه وعلى الجمل بضخامته ونحو ذلك، فلا بد له أيضا من أن يعيش عيشة فيها غذاء هذا العنصر العقلي، فيفكر ويتأمل، ويقرأ، ويكتب.

والعنصر الآخر الذي يمتاز به عن النبات والحيوان هو عنصر الروح وهو غير عنصر العقل، هذا العنصر الروحي أساسه الدين والاعتقاد بإله واحد هو ربه، ورب العالمين، منه يستمد القوة، ومنه يستمد الحياة، ومنه يستمد وسائل الحياة، وبهذين العنصرين عنصر العقل والروح استطاع الإنسان أن ينظم عنصر النبات والحيوان فيه وأن ينظم غرائزه ويلطفها ويهذبها ويخضعها لأمرهما.

السعادة في نظر الإسلام يجب أن تتوفر بالأخذ بحظ من كل عنصر من هذه العناصر الأربعة أخذا معتدلا لا إفراط فيه ولا تفريط، فهو لا يرضى عن تعذيب الجسم وحرمانه من ملذاته؛ ولذلك كره الزهد والتبتل وقال:

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١١٤٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١١٤٨