تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكل التظاهر بالتغطية ليس علاجا صحيحا، فمن عالج نقصه بالغضب أو البكاء أو الشكوى فليس هذا علاجا، ومن عالج نقصه بالخجل أو اعتزال الناس أو كثرة الحديث عن نفسه أو الظهور بمظهر الأبهة والعظمة فليس هذا علاجا، بل كل هذه مظاهر للمرض لا تعالجه ولا تستأصله، وليس كل شعور بالنقص عيبا مذموما، بل أحيانا يكون فضيلة، فالناس إنما طلبوا العلم وتبحروا فيه واستكشفوا قوانينه لشعورهم بنقصهم، والأمم التي حاربت لنيل استقلالها وإخراج المستعمر من أرضها وطلبها السيادة لنفسها إنما فعلت ذلك لشعورها بنقصها تحت الاستعمار وفي ظل العبودية.

والذي يشعر بنقصه في خلقه أو عقله أو نفسه ثم يستكملها يكون الشعور منه بالنقص فضيلة، إنما الرذيلة أن يشعر بالنقص فيسكت عنه أو يعالجه علاجا خاطئا فيغطي النقص بالتظاهر بضده، يكون بخيلا فيتظاهر بالكرم وجبانا فيتظاهر بالشجاعة، وكذوبا فيتظاهر بالصدق، وهكذا فكل هذا التظاهر لا يقلل من النقص شيئا بل يزيده تأصلا.

وأما الشعور بالتسامي، أعني الشعور بالرفعة والعلو والسمو، فيكون مرضا إذا جاوز الحد ووضع الإنسان نفسه فوق ما يستحق، وفيما عدا ذلك يكاد يكون طبيعيا في كل إنسان، فكل إنسان يصبو إلى الكمال وإلى أن يكون خيرا مما هو، وليس في هذا عيب بل هو فضيلة، بل إن الأخلاقيين حثوا عليه ووضعوا وسائل كثيرة لتحقيقه، كقراءة سير الأبطال وكبار المصلحين، ورجال الدين حثوا عليه من ناحية التشبه بالله والاقتداء بالرسل وبخيرة الصالحين، ولكن العيب أن يتطلب كمالا لا تستطيعه نفسه ولا يمكن أن تبلغه قواه ولا ملكاته، كضعيف العقل يريد أن يكون فيلسوفا، أو جبانا يريد أن يكون قائد حرب أو نحو ذلك من السخافات، ومن العيب أن يتطلب الكمال ولا يعمل لتحقيقه، يتطلبه قولا لا عملا، أو يتطلبه لغاية غير شريفة، قد يتطلب الشاب المتعلم أن يكون طبيبا ولكن شتان بين من يريد أن يكون طبيبا ليجمع المال من جميع الوجوه ولا يرحم فقيرا ولا يسعف مستغيثا وبين من يريد أن يكون طبيبا لخدمة الناس ورفع الآلام عنهم ولا بأس بالمال يأتي في اعتدال، وقد يتطلب الشاب أن يكون معلما ولكن شتان بين من يريد أن يكون معلما؛ ليظهر سيطرته على الطلبة، أو ليجمع المال بالدروس الخصوصية أو نحوها، ومن يريد أن يكون معلما ليحارب الجهل في المتعلمين ويفتح زهرتهم ويرفع مستواهم مع ما يفيض عليه ذلك من رزق حلال، وكذلك شتان بين من يريد أن يكون موظفا كبيرا ؛ ليستطيع أن يؤدي للناس خدمات كبيرة بقدر ما تسمح له قوته ويسمح له منصبه.

لا عار مطلقا في الشعور بالتسامي بل هو واجب، ومن فقد الشعور بالتسامي فقد فقد طعم الحياة، بل إن الأمة التي فقدت شعورها بالتسامي فرضيت باستعمار الأجنبي ورضيت بنظامها الداخلي السيئ ورضيت بحالتها التعيسة في الشئون الاقتصادية والاجتماعية والسياسية أمة لا تصلح للبقاء، إنما تصلح للبقاء يوم تتسامى، يوم يغمرها الشعور بالتسامي ويكون شعورا قويا صادقا لا يكتفي بالقول دون العمل، ولا يقتنع بالتظاهر دون الحقيقة، والشعور الصحيح بالتسامي هو شعور يستتبع العمل على تحقيق ما تسمو إليه.

| الحياة السعيدة

لو استعرضنا أنواع الناس، وكيف يحيون وجدنا أن كثيرا منهم يعيش عيشة جافة جامدة باردة، يستيقظ من النوم، فيفطر، ثم يلبس ملابسه ويذهب إلى عمله كزارع أو صانع أو تاجر أو موظف، حتى إذا جاء وقت الغذاء عاد إلى بيته فتغذى، ثم قد يزاول بعض عمله ثم يجلس في مقهى يسمر مع أصدقائه أو نحو ذلك ثم يعود إلى بيته فيحدث أهله بعض الحديث ثم ينام وهذا هو تاريخ حياته، يوم واحد متكرر، وحياة واحدة رتيبة ... هذه هي الحياة أشبه ما تكون بحياة آلة في مصنع ندورها فتدور وتعطيها غذاءها من فحم أو وقود فتسير على نمط واحد ثم يوقفها القائم عليها فتقف وهكذا حياتها كل يوم، بل هي أيضا كحياة الأنعام تأكل وتعمل وتنام وهكذا عادتها كل يوم، وإن الإسلام لا يرضى عن هذه الحياة.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١١٤٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١١٤٧