وكثير من تصرف أفراد العائلة يصدر عن شعور بالنقص في ناحية من النواحي يراد سترها، ولما كان هذا الداء كثيرا ما يخفي فهو كذلك كثيرا ما يعالج خطأ، ولو عرف الداء على حقيقته لعرف الدواء على حقيقته، وكذلك الناس في مجتمعاتهم ومعاملاتهم المالية وغير المالية.
لي ابن تخرج في مدرسة عالية وهو يلح أن يعين في وظيفة خارج القاهرة مع أنه سعيد في بيته، موفرة عليه راحته، حاولت أن أعالجه بالضغط فلم ينجح وأخيرا اكتشفت السبب، وهو أنه ذو شخصية يريد أن يظهرها كاملة ولا يتأتى له ذلك مع شخصيتي، فشخصيتي في البيت أكبر من شخصيته، فهو يريد أن يتخلص من هذه الشخصية التي طغت على شخصيته بأن يوظف خارج القاهرة، فلما عرفت هذا السبب أمكن وضع العلاج.
وكذلك قد يتنازع الرجل والمرأة في البيت فإذا استفسرت عن سبب النزاع قيل لك أسباب تافهة، ولكن الحقيقة أن وراء هذه الأسباب أسبابا أخرى هي مركب النقص عند الرجل أو عند المرأة، ولو سألت أي إنسان: هل عنده مركب النقص في كذا؟ لنفى ذلك نفيا باتا.
وتصرفات الناس تختلف اختلافا كبيرا حتى في مركب النقص الواحد، كالذي حكي أن ثلاثة أطفال دخلوا مع أمهم حديقة الحيوان، فلما وصلوا إلى حجرة الأسد، ورأوه يزمجر اختفى أحدهم وراء أمه وقال: «إني أريد الذهاب إلى البيت»، والثاني اصفر وجهه، وارتجف جسمه وقال: «لست بخائف» والثالث حملق في وجه الأسد وقال لأمه: «هل تسمحين لي أن أبصق عليه؟» فالثلاثة كان عندهم مركب نقص واحد وهو الشعور بالخوف من الأسد ولكنهم تصرفوا تصرفات مختلفة كلها تدل على الخوف.
وفي كثير من الحالات تكون مظاهر النقص واضحة، ولكن قد تختفي وتعمق حتى يصعب تفسيرها، ترى جندي البوليس شديدا على الباعة الجائلين، ولكن تعليل ذلك أنه شاعر بالنقص التام أمام ضابط البوليس، فهو يريد أن يرضي نفسه الضعيفة بقوته الظاهرة على الباعة، وكذلك ترى الرجل هرة وديعة ذليلة في مصلحته، ويريد أن يكون أسدا في بيته، أو هرة في بيته فيريد أن يكون أسدا في مصلحته، وترى آخر يشعر بنقصه العقلي إذا قورن بعقل زملائه، فيحدث كثيرا عن ذكائه، أو كذوبا فيتحدث كثيرا عن صدقه، أو فاشلا في عمله فيرضي نفسه بأن الدنيا فانية والناجح والفاشل مصيرهما معا إلى الموت، وهذه كلها منشؤها شعور باطني بالداء وبالنقص، ولكن ليس في شيء من هذا علاج للمرض، فالمرض إذا عولج بهذا النوع من العلاج بقي كما هو يعمل في نفس صاحبه.
إن الشعور بالنقص يوتر الأعصاب فينشأ عنه رد فعل بالتسامي، كالكرة من الكاوتش تضربها في الأرض فتنضغط ثم تعوض ذلك بالارتفاع، فإذا رأيت طفلا يتظاهر بالقوة أو رجلا يتبجح، أو عالما مغرورا، فاعلم أن ذلك تعبير عن شعوره العميق بالنقص، وكثيرا من طرق العلاج ليست صحيحة، فالطفل الذي يبكي إنما يبكي لشعوره بنقص، فإذا دلل واستجيبت طلباته اعتقد أن البكاء وسيلة صحيحة لحصوله على حاجته، فأكثر من البكاء كلما شعر بحاجته، ونمت عنده هذه العادة حتى إذا كان مراهقا كان مدللا لا يعتمد على نفسه، ويتخذ الغضب أو الدموع أو كثرة الشكوى وسائل من وسائل تغطية شعوره بالنقص.
وكثيرا ما يتولد الشعور بالنقص من الفشل في الحياة، خصوصا في أول مواجهتها، فالطفل في المدرسة الابتدائية إذا كان ترتيبه متأخرا، أو وبخه مدرسه على التقصير كثيرا، وجد عنده هذا الشعور بالنقص، ومن حاول التجارة أو الصناعة فأصيب بالفشل في أول أمره ولد لذلك أيضا عنده الشعور بالنقص، والفتاة التي بلغت سن الزواج ولم تتزوج تولد عندها هذا الشعور، والموظف إذا لم يرض عنه رؤساؤه وزملاؤه شعر بهذا النقص أيضا وهكذا.
وكل شعور بالنقص يستلزم من صاحبه سلوكا خاصا يغطي به نقصه، إما بأن يظهر بمظهر الرجل الكامل أو يعتزل الناس ويكره مقابلتهم والاختلاط بهم، أو يكثر الغضب، أو يعتقد في الناس السوء، أو يكثر الشكوى منهم أو نحو ذلك، فكثير مما نراه من عيوب الرجل أو المرأة يمكن إرجاعه إلى مركب النقص فيه، غاية الأمر أن مركب النقص هذا قد يكون واضحا يمكن الوقوف عليه في سهولة ويسر، وقد يكون عميقا اختفى في اللاوعي من قديم حتى احتاج إلى تحليل نفسي طويل ليمكن العثور عليه.