تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولكن - مع الأسف - ليس تحكيم العقل في المسائل بالأمر الهين، وإنما يحتاج إلى تربية نفسية شاقة، وتمرين طويل، فكثيرا ما يكون الباعث على العمل هو الشهوة والمصلحة الذاتية والوصول إلى منفعة شخصية معينة، ولكنها تعمل في الخفاء، وتظهر بمظهر العقل، ويدور الجدل بالمنطق والحجج، وفي الحقيقة ليس هناك منطق ولا حجج، وإنما هو ثوب براق لماع ينسجه شخص باسم العقل؛ ليخفي به الشهوة والمنفعة الذاتية أو الحزبية، هذه الزوجة رأتك تنفق على أهلك المحتاجين بعض ماهيتك فغاظها ذلك؛ لأنها تريد ماهيتك كلها لها ولأولادها، فهي تخلق المطالب غير الضرورية خلقا، وتقيم ألفي دليل ودليل على أنها في الضرورة القصوى من الحياة، وليس هذا هو العقل ولكنه غطاء العقل، وليس الذي يوجد التفاهم هو العقل المزيف ولكنه العقل الصحيح.

وهذا حزب تحركه الرغبة في الحكم ولكن هذا لا يمكن أن يقال، وإنما الذي يقال هو مصلحة الأمة والصالح العام ونحو ذلك، وتصاغ الحجج العقلية لخدمة هذا الغرض الذاتي، فلا يكون التفاهم؛ لأنه مؤسس على العقل المزيف.

وهذا رئيس مصلحة، مصلحته في ترقية شخص معين؛ لأن ترقيته تعود عليه بمنفعة شخصية، فيخلق من العلل والبراهين ما يبرر به طلبه مدعيا أنه أكفأ أو أنزه أو أصلح ونحو ذلك، فيسبب عمله خصومات سببها عدم الرجوع إلى العقل الصحيح وهكذا.

ومن أجل هذا قلت: إن الرجوع إلى العقل شاق عسير، وكثيرا ما يخدع الإنسان نفسه، ويظن أنه محق فيما يقوله وما يبرهن عليه، وهو في حقيقة الأمر مخدوع قد غشته نفسه.

وكثير من الخصومات المالية يرجع إلى هذا السبب، كل يكون له رأيا مبنيا على ما ينفعه أكبر نفع ويربحه أكبر ربح، وكل يعتقد بناء على ذلك أن نظره هو الصحيح، ونظر غيره هو الباطل، والحق أن المنفعة الذاتية هي التي توجه كلا منهما.

ومن أجل ذلك كان الرجل المحايد الذي لا ينتفع بهذا الرأي أو ذاك أقدر على تحكيم العقل والوصول إلى الصواب، قد يكون الخصمان معقولين كل منهما ينظر إلى المسألة نظرا مجردا عن الهوى ومع ذلك يختلفان، وكثيرا ما يكون السبب في ذلك أن كلا منهما ينظر إلى المسألة من زاوية غير الزاوية التي ينظر منها الآخر، فمن الحكمة أيضا أن يسائل الإنسان نفسه: ماذا أعمل لو كنت محل خصمي، وأي الآراء، وأي البواعث حملته على أن يرى هذا الرأي المخالف لرأيي؟ وفي هذه الحالة قد يعدل عن رأيه إلى رأي صاحبه أو على الأقل يعذره.

وبعد، فنعمة من الله كبرى أن يكون لدى الإنسان روح التعقل ... إن البيت يكون سعيدا إذا ساده روح التعقل، وقد سئل حكيم صيني: ماذا تشترط في الزوج الذي يتقدم لابنتك الوحيدة؟ قال: شرط واحد؛ هو أن يكون عنده روح التعقل.

ونعمة من الله كبرى أن يسود الأمة روح التعقل، إذن لرأيت الخصومة بين أحزابها، خصومة معتدلة معقولة، وصحافتها نافعة معقولة، ومجالس هيئاتها تتجادل في المسائل وتبت فيها في الحدود المعقولة، والرأي العام يمدح وينقد ويؤيد ويعارض في الحدود المعقولة ... بل أوكد أن المنازعة بين الأمم تنقطع أو على الأقل تخف حدتها ويسود السلام إذا احتكمت إلى العقل دون الشهوات والمطامع.

| مركب النقص

مما اكتشفه علماء النفس الحديثون مرضان نفسيان، يسمى أحدهما مركب النقص، ويسمى الآخر مركب التسامي، وقلما يخلو إنسان من أحدهما أو منهما معا، ويستطيع الدقيق النظر أن يفسر كثيرا من تصرفات الناس بما عنده من هذا المرض.

فأما مركب النقص فهو شعور يستولي على الإنسان بأنه ناقص في ناحية من نواحيه الجسمية أو الخلقية او العقلية، فيحاول بسلوكه أن يظهر بمظهر السليم من هذا المرض، ويكون ذلك الشعور في أعماق نفسه، قد لا يستطيع المريض نفسه أن يدركه، ولو سألته عنه لأجابك بالنفي ولكنه حقيقة واقعة يتصرف المريض به تصرفات كثيرة للتبرؤ منه، ولو دققت النظر لوجدت آلاف التصرفات تصدر من الإنسان لهذا الشعور بالنقص، هذا رجل قصير القامة تراه يحب أن يلبس طربوشا طويلا وجزمة عالية الكعب؛ لأنه يشعر بنقصه في قصره، وهذه امرأة سمراء تكره كل الكره أن يكون لها خادمة بيضاء؛ لأنها تشعر بالغيرة منها وتخاف أن يشعر زوجها بسمرتها بالمقارنة بخادمتها البيضاء، وهذه امرأة ولدت ثلاث بنات ولم ترزق بصبي فتشعر بنقصها وتكره أن تسمع الأحاديث عن المرأة التي خلفت صبيانا فقط، وهذه فتاة تزوجت زواجا فاشلا فهي تكره كل الكره أن تسمع بأمثالها اللائي سعدن بأزواجهن، وهذا موظف لم يأخذ الدرجة الثالثة التي يستحقها فيغيظه أن يسمع عن أشخاص أخذوها ويسره أن يسمع أخبار من حرموا منها أشد من حرمانه، وهكذا من آلاف الحوادث التي تحصل أمامنا كل لحظة ... إن الطفل يحب البنطلون الطويل ويحب أن يمسك عصا؛ لأنه يشعر بنقصه، والمرأة تغالي في زينتها إذا أحست بنقص جمالها، والرجل يبالغ في الإسراف في المال إذا أحس بنقص جسمي يريد أن يعوضه.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١١٤٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١١٤٥