تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

من مقتضى هذا المبدأ أن كل فرد في الأسرة مسئول عن سعادة أسرته، فليس للرجل ولا للمرأة أن يقول: لا أبالي، فكل فرد مسئول عن البيت، يجب أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويجب أن يشعروا أن سعادة البيت أو شقاءه نتيجة تيقظهم أو إهمالهم واحتمالهم العبء أو الهرب منه.

وتصوروا كل هيئة من الهيئات الاجتماعية أو كل حزب من الأحزاب السياسية، جرى كل فرد فيه على هذا المبدأ، فأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، أو بتعبيرنا الحديث: دعا إلى الحق وهاجم الباطل، وتصوروا برلمانا هذا شأنه، ليس له غاية إلا إحقاق الحق وإبطال الباطل، وتصوروا كل مصلحة من المصالح الحكومية وغير الحكومية جرت على خطة الغضب للحق والوقوف أمام الباطل.

إن مجتمعا يسير على هذا المنهج من غير شك - هو المثل الأعلى للمجتمعات، وبمقدار سيره على هذا المبدأ أو انحرافه يكون رقيه وانحطاطه - فلا يصح لفرد في أسرة أن يقول: فلأنعم بطيبات البيت وما فيه من مأكل لذيذ وفرش وثير وبعدي الطوفان، وليس لحزب سياسي على هذا المبدأ أن يقول: ما دمت لست في الحكم فلأغل يدي ولأترك الحزب الذي في الحكم يعمل ما يشاء حتى تظهر للأمة ثمرة عمله، فهذا وأمثاله فرار من المسئولية التي يلقيها علينا هذا المبدأ الإسلامي العظيم، وهو أن الخير الذي يقع خير الأمة، والشر شر الأمة، وليس لأحد أن يفر من المسئولية وليس من حق أي جزء في الجسم أن ينفصل عنه.

| الاحتكام إلى العقل

أؤكد لكم أن أكثر المنازعات والخصومات سببها عدم احتكام الخصمين أو أحدهما إلى العقل - سواء في ذلك النزاع بين الزوجين في البيت، أو بينهما وبين الأولاد، أو نزاع الناس في الشارع أو في المجالس، أو نزاعهم أمام المحاكم، أو النزاعات السياسية بين الأحزاب أو بين أعضاء الحزب الواحد - فكل هذه المنازعات - على اختلاف ألوانها - لو حكم فيها الطرفان المتنازعان العقل لارتفعت الخصومة وحل الوفاق محل النزاع والخصام، هذا النزاع بين الزوجين على ميزانية البيت - مثلا تريد الزوجة ملابس جديدة تكلف الزوج مائة جنيه أو أكثر أو أقل، ويأبى الزوج أن يدفع هذا المبلغ كله أو بعضه، ويشتد هذا النزاع، وقد يتطور إلى أخطر النتائج، ما سببه؟ سببه عدم تحكيم العقل إما من الزوجة أو من الزوج أو منهما معا، فإذا حكم العقل قال العقل ما يأتي: هل للزوجة حاجة إلى هذه الملابس! ونعني بالحاجة ما يشمل الزينة وظهورها أمام مثيلاتها بالمظهر اللائق بها ونحو ذلك؟ فإذا كان الجواب بالنفي استبعد هذا الطلب، وإن كان بالإيجاب انتقل العقل إلى سؤال آخر وهو: هل مالية الزوج تسمح بهذا الطلب كله أو بعضه؟ وهل هناك مطالب أهم من هذا المطلب، كمصاريف المدارس للأولاد أو نحو ذلك؟ فإن كانت مالية الرجل تسمح بكل ذلك، وتسمح بادخار بعض المال للطوارئ كان المعقول أن يجاب الطلب وإلا حكم العقل بتقديم الضروريات على الكماليات وبأن الزوجين يجب أن يتفاهما على تقديم الأهم على المهم، والحاجيات على الكماليات، ونزلت الزوجة على حكم العقل فنقصت ما تطلبه إلى الحد الأدنى حتى تكفي مالية الرجل، فإذا تم هذا التفاهم وخضعا معا لحكم العقل فلا نزاع ولا خصام، وهكذا الشأن في مطالب الأولاد - وإنما يأتي النزاع من أن الزوجة تحكم رأيها وتطلب المال ولو «من تحت الأرض» ولو بالاستدانة، ولو ببيع ما يملك، وهذه مطالب غير معقولة، أو أن الزوج يكون عنده المال الكافي لكل هذه المطالب ويصمم على ألا يصرف؛ لأن الصرف يؤلمه أو أنه يبالغ في الاحتياط للمستقبل، أو لأنه مصاب بالبخل ولا يتزحزح، فيكون التشاحن الدائم والمعيشة التي تقصر العمر وما سبب ذلك إلا عدم الاحتكام إلى العقل.

وقل مثل ذلك في الخصومات السياسية بين الأحزاب، هؤلاء ينظرون إلى المسألة من ناحيتهم الحزبية ويكونون فيها رأيا ينفع الحزب ويعلي شأنه، وهؤلاء يقفون مثل موقفهم وينظرون فقط إلى ما ينفع حزبهم، فتتصادم الرغبات وتثار الخصومات، ولكن إذا حكم العقل قال: إن الأحزاب وتعددها ونظمها إنما وضعت لخدمة الأمة ومصلحتها، فالحكم في الأحزاب وتصرفاتها هو هذه المصلحة، فإذا ثارت خصومة في مسألة فلتقس منافعها ومضارها للأمة لا للحزب، وإذا قومت الأمور هذه القيم العامة بين وجه الحق، وإنما يعميها اختفاؤها وراء المصلحة الحزبية ودوران المناقشات حول الأغراض الحزبية وهكذا.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١١٤٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١١٤٤