أكتب هذا وأنا أرى البحر وتموجاته، والرياح ولعبها بالأمواج، والسحابة تسوقها الريح حيث تشاء.
اللهم زدني عجبا أزدد حياة. (8) برلمان النفس
هممت هذه الأيام بعمل خطير، ثم راقبت نفسي ماذا تصنع، فإذا فيها برلمان داخلي كأدق أنواع البرلمانات وأنظمها؛ فقد بدأت تتحرك الرغبة أولا، وقامت تخطب وتبدي حججها في فصاحة وبلاغة، والكل يصغي إليها، ولم تطل في الحديث عما تشاء؛ اعتمادا على قوتها وعظمتها، ثم جلست في زهو وإعجاب، فوقف الضمير يعارضها، ويبدي عدم ارتياحه لطلباتها، مقتصرا على ما ينشأ عن هذه الرغبة من آلام، ثم وقف العقل، وقد وجدته أحيانا ترشوه الرغبة فيتكلم في مصلحتها ويدافع عن اتجاهاتها، ثم لاحظت أن الخوف يقف محذرا من تنفيذ طلباتها، منذرا بنتيجة عملها، مخوفا النفس والبدن من نتائجها، ورأيت بعد ذلك الخيال يحلق في الجو فيصور النتائج للعمل الذي تريده الرغبة نتائج جميلة أحيانا، وقبيحة أحيانا أخرى، وهو بهذا العمل يشجع أو يخذل، وأحيانا يسيطر الحب على الموقف فيؤيد الرغبة تأييدا جامحا، ثم بعد ذلك لا يسمع لعقل ولا لخوف، وأحيانا لا يكون للحب موقف في الأمر، ولكن تكون السيطرة للإباء والأنفة، فتعند النفس عن تنفيذ الرغبة، ثم رأيت أن هذا البرلمان تارة يثور فيطيح بكل العوامل الأخرى وينفذ الرغبة مهما كانت النتائج، وأحيانا يكون برلمانا هادئا يصغى فيه إلى كل الأصوات إصغاء تاما، سواء في ذلك المؤيدون والمعارضون، ثم تؤخذ الأصوات، والحكم بعد ذلك للأغلبية، وهو برلمان ثائر أحيانا هادئ أحيانا، يتكلم فيه المتكلمون بتؤدة وهدوء أحيانا، وبخروج عن اللياقة أحيانا، وأيا ما كان فهو برلمان بكل معنى الكلمة، يصور صورة صادقة للبرلمان الخارجي من مؤامرات ودسائس وألاعيب وخداع وكل ما يحدث في الخارج، ومن العجب أن تاريخ هذا البرلمان قديم، كان من عهد آدم ولم يلتفت الناس إلى تقليده إلا من عهد قريب، وحتى إلى الآن لم يتقنوا إتقانه وغابت عنهم بعض معانيه. (9) حوض اللذة
يعجبني تعبير إنجليزي لا أعرف له نظيرا في اللغة العربية، وهو ما يمكننا أن نترجمه ب (حوض اللذة)، ويعنون به استعداد النفس للذة.
والذي ألاحظه أن حوض اللذة - على حد تعبيرهم - واسع عند الطفل والجاهل، ضيق عند الكبير والعالم؛ فالطفل يتلذذ جدا بقطعة من الحلوى وبالثوب الجديد، وقد شاهدت ذلك في نفسي، فكنت كثير اللذة بفطيرة آكلها في الصباح، وبشجرة بجوار ساقية أجلس تحتها، وأقرأ وأغني ببعض القصائد ويعجبني صوتي إذا غنيت، وأفرح جدا بقرش يعطينيه أبي، وبمائة وخمسين قرشا تعطينيها مدرستي كل شهر، ويعجبني منظر البحر إذا رأيته، ومنظر الجبل إذا مشيت فيه، وأتلذذ جدا من كتاب أشتريه، وأفرح برمضان إذا أتى، وبالعيد إذا أقبل، وأحتفل لهما كل الاحتفال ...
وهكذا الجاهل «واسع حوض اللذة»؛ فهو يتلذذ من أكلة فخمة، ومن ثوب جديد، ومن نكتة رائعة، وكل اهتمامه بجنيه يربحه ثم ينفقه، وببيت يشتريه، وبأكلة يأكلها، وبثوب يلبسه، وكلما رقى الإنسان وكثر علمه وارتقت ثقافته وكثر تأمله ضاق حوض اللذة عنده، فلا ترضيه أكلة، ولا يلذه منظر، والمتنبي يعبر عن ذلك بقوله:
يقولون لي ما أنت في كل بلدة؟
وما تبتغي؟ ما أبتغي جل أن يسمى
وأوضح من ذلك ما قاله:
وإذا كانت النفوس كبارا
تعبت في مرادها الأجسام
وها أنا ذا لما كبرت ضاق عندي حوض اللذة جدا، فإذا ربحت مائة جنيه لم أتلذذ منها لذتي بالقرش الذي كان يعطينيه أبي، وإذا نظرت إلى منظر طبيعي لم أتلذذ منه كما كنت أتلذذ في الماضي، وإذا نظرت إلى رواية تمثيلية أو رواية سينمائية لم أتلذذ منها كما كنت أتلذذ أيام شبابي؛ فالطفولة والشباب كانا يضفيان على كل شيء، مما يجعلنا نتلذذ أكبر لذة ونتحمل الألم في ثبات، فلما زال الشباب زال كل شيء، وصدق الشاعر إذ يقول: