ولئن قال القدماء: إن التاريخ يعيد نفسه، فهو إنما يعيدها لا بالطبعة القديمة، وإنما يعيدها طبعة منقحة حسب مقتضيات الزمان، ومن أجل ذلك شرع كل قانون قابل للبقاء بابا يبقى مفتوحا إلى الأبد، وهو باب مسايرة الزمن، ومقابلة الجديد من الأحداث، تسميه بعض المذاهب اجتهادا وبعض المذاهب مصالح مرسلة، وبعض المذاهب استحسانا، والكل شيء واحد، أما القوانين التي تجمد على القديم، وتقول في كل حادثة: القديم على قدمه، لا يمكن أن تبقى.
كم جاهدت الأمم في الشرق والغرب ضد الاستبداد، وضد المصادرات، وضد العبث بالأنفس والأموال، وكم لاقت من العناء في سبيل هذا الجهاد، ثم انتصر أخيرا الحق، وعبر دارون عن ذلك بقوله: «البقاء للأصلح»، فانظر في كل مشكلة من المشاكل يجاهد الناس فيها، وتختلف آراؤهم واحكم بأن الصالح هو الذي سيبقى، وفي القرآن الكريم:
فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض . (6) مثل أعلى أخلاقي
قد تحيرت في عمل الفلاح، تحول قناته من غيطه إلى غيط آخر، فيتنازع ويتخاصم، وقد يؤدي ذلك إلى قتل، ولكن قد يذله العمدة أو شيخ البلد فيمرغه في التراب، وقد يفعل المأمور بالعمدة ذلك فلا يتحركان ولا ينبسان بكلمة.
هكذا قال صاحبي، وزاد علي فقال: أليس عجيبا أن نرى أهل البلد يتحملون ظلم حكومة سنتين أو أكثر فلا يحركون ساكنا ولا يثورون على هذه الحكومة، ولم نسمع مرة أن برلمانا يمثل الأمة أسقط حكومة من الحكومات أو صوت ضدها؛ لأنها أتت عملا سيئا، وتصرفت تصرفا ظالما، مع كثرة ما تأتي به من الأعمال السيئة الظالمة.
قلت: إن المصريين في أشد الحاجة إلى زعيم يزيد شعورهم بالعدالة، ويبلور أفكارهم ومشاعرهم، حتى يتأثروا بها تأثرهم بقطع الماء عن مزارعهم.
لقد نجح المرحوم النقراشي باشا في بلورة الغرض السياسي للأمة وهو الجلاء ووحدة وادي النيل، فكان ذلك على كل لسان حتى الأطفال في ألعابهم، والمغنين في أغانيهم، والمذيعين في إذاعتهم، وكان على لسان الشيوخ والشبان والرجال والنساء، ونحن أحوج ما نكون إلى زعيم يبلور لنا مثلنا الأعلى الأخلاقي، فيقول مثلا: إن غرض الأمة العدالة والنظام، يجريها على لسانه فتجري على لسان كل أحد؛ إذ ذاك لا يجرؤ أحد أن يظلم، ولا يطيق أحد أن يصبر على الظلم.
ثم يأتي من الأفعال ويضع من الأنظمة ما يحقق العدل زمنا طويلا، حتى يألفه الناس، ويثوروا على النظام وظلمه، وليست تفلح أمة شعورها متبلد، بل هي تهتف للظالم فلا يجد ما يصده عن ظلمه.
إذ ذاك يخاف العمدة من أن يظلم الفلاح، ويخاف المأمور أن يظلم العمدة، ويخاف المدير أن يظلم المآمير، وتخاف الحكومة بأسرها إذا ظلمت أحدا؛ لأنها تشعر أن الرأي العام قوي الشعور بالعدالة، لا يحتمل أي ظلم، والحكومة لا تعدل إلا إذا خافت. (7) إذا بطل العجب انتهت الحياة
كل ما يمكنك أن تدركه من فرق بين الذكي الألمعي والغبي، هو كثرة العجب عند الأول وقلته عند الثاني.
إن الأول يرى في كل شيء ولو صغيرا مدعاة للعجب، يعجب من السيارة مثلا، ولكن يرى أنه أعجب منها حركة الرجل في السير، ويعجب من الراديو ولكن يرى أنه أعجب منه حاسة الشم، إنه يرى الكون كله مملوءا بالعجائب حتى الذرة في تكوينها، والنملة في معيشتها، ولذلك بنت الأديان كلها الدعوة إلى الإيمان على ما في الكون من عجائب، ريح تهب وسحاب يجري ومطر ينهمر، ولو دققنا النظر لرأينا أكثر الكلمات تحمل عجائب لا تنتهي.
انظر مثلا إلى كلمة «نما الزرع» كيف تحولت الحبة إلى النبات، وكيف تحولت البذرة إلى الشجرة، وكيف اختلفت الأشجار وكلها تسقى بماء واحد، كل هذا يستخرج العجب من البصير، فإذا انتهى العجب دل ذلك على أن الإنسان فقد حياته، ألا ترى الطفل يبدأ بالأسئلة الكثيرة نتيجة للعجب الكثير، فإذا أدركه الهرم زال عجبه فزالت حياته.