ما كنت أوفى شبابي كنه عزته
حتى انقضى فإذا الدنيا له تبع
ولذلك نرى الشباب يضحك من كل شيء، ويسر من كل شيء، وسبب ذلك ما قلنا: من أن حوض اللذة عندهم واسع، فإذا انقضى ضاق حوض اللذة، فلم يضحكوا كما كانوا يضحكون، ولم يطربوا كما كانوا يطربون.
ولست أدري، أخير الناس من ضاق حوضه أم من اتسع حوضه! أما أرسطو فكان يفضل الإنسان الحزين على الإنسان المرح، ولذلك كان يفضل المأساة على الملهاة.
أما أنا فقد أوافق أرسطو في أن الحزين أنفع للناس، وأكبر خيرا وإفادة، ولذلك كان أكثر المصلحين من أكثر الناس حزنا، يحز في نفوسهم ما يرونه من ضلال الناس وفسادهم وظلمهم، ويعملون جاهدين على إصلاحهم وتقويم معوجهم، ولو أداهم ذلك إلى الموت، ولكن هؤلاء الحزناء شر على أنفسهم، فهم دائما قلقون حائرون مضطربون، فلئن دعوت لنفسي دعوة صادقة، فإني أسأل الله أن يوسع حوض لذتي. (10) التأقلم
يظهر أن التأقلم قانون طبيعي في كل الأشياء جمادها ونباتها وحيوانها؛ فإذا أنت صببت ماء حارا على ماء بارد، حارا واضطربا، حتى يتأقلما فيأخذ الحار من البارد بعض برودته، ويأخذ البارد من الحار بعض حرارته.
وإذا أنت نقلت نباتا من نباتات البلاد الحارة إلى أرض معتدلة الجو حار كذلك واضطرب، واحتاج إلى مدة حتى يتأقلم ويعدل نفسه وفق الجو الجديد، والحيوان المتوحش الذي يعيش في الصحراء يحتاج إلى مدة طويلة حتى يتأقلم فيستأنس.
والإنسان كذلك يعيش في وسط غير وسطه الأول فيحار ويضطرب حتى يعدل نفسه وفق الوسط الجديد، وما فرحه بالمولود الجديد وحزنه على الولد الفقيد إلا مظهر من هذا التأقلم، لقد عاش وفكره غير مشغول بالولد حتى إذا رزق الولد احتاج إلى زمن يتأقلم فيه حتى يواجه حياة الآباء، وفي الحالة الثانية عاش على فكرة الولد، فإذا زال حزن؛ لأنه غير ما اعتادته غدد فكره، واحتاج إلى زمن حتى يتأقلم فيعتاد فقدان الولد.
وكذلك الشأن في الأمم، تحتاج الأمة المتبدية إلى زمن تتأقلم فيه حتى تتحضر وقد احتاجت الأمة الإسلامية إلى زمن طويل حتى هضمت المدنية الحديثة وألفتها، والأمة التي انحطت في حاجة إلى زمن طويل يجهد فيه المصلحون حتى تنصلح، وهذا هو السر في ثورة الشباب وجمود الشيوخ؛ فالشباب لجدته يتقبل الأفكار الحديثة، والشيوخ لما مرنوا عليه من أفكار يرفضونها، وهكذا في حال انتقال الإنسان من عاطفة إلى عاطفة، ومن حزن إلى فرح، ومن فرح إلى حزن، ومن رغبة إلى رهبة، ومن رهبة إلى رغبة، وربما كان مما يساعد على سرعة التأقلم مساعدة الجو الجديد ليناسب الشيء القديم؛ فأنت إذا نقلت شجرة مانجو من الهند الحارة، فإنه يساعد على تأقلمها أن تحيطها بجو حار من جنس جوها؛ فإذا أنت عرضتها لجو شديد البرودة لم تعطها فرصة التأقلم فماتت، وإذا أردت إصلاح أمة فلا تصلحها طفرة؛ فإنها إذ ذاك يخشى عليها من الضرر، ولكن أصلحها تدريجا وبخطوات متعاقبة، كلما خطت خطوة أتبعتها بأخرى؛ ولذلك كان في العادة الإصلاح بالتدريج خيرا من الإصلاح بالثورة.
وربما استحسنوا من أجل ذلك أن يتزوج الغضوب بحليمة، والمرح برزينة، والمسرف بالمقترة وهكذا؛ لأن هذه الخصال المتناقضة إذا تأقلمت اعتدلت، فيأخذ الغضوب من حلم الحليمة، والمرح من رزانة الرزينة وهكذا.
والطبيعة لا تعرف الطفرة؛ فبعد الظلام الحالك يكون نور الفجر الكاذب والفجر الصادق حتى يعتدل النهار.
ومن الصعب عند مقابلة الشمس بالظل أن تقول: إن هذا ظل بحت أو شمس صرفة، فهناك خط بين الظل والشمس؛ وبين الشتاء والصيف ربيع وخريف يعدان للانتقال. (11) الاستعمار
للاستعمار أنواع كثيرة وأشكال مختلفة، ولكن أكثره مؤسس على الاقتصاد السياسي؛ فهو يرمي إلى انتفاع أهل البلاد المستعمرين ما أمكنهم ذلك، ولذلك خدمت السياسة الاقتصاد.