تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قد يقال: إن الملك إذا كان صغيرا أو اختير من العائلة المالكة فأحسن الاختيار، لم يكن منه ضرر، ولكن الزمان يكبر الصغير، والحاشية تفسد الصالح، فما لنا نعقد العقدة ثم نحاول فكها، فخير لنا ألا نعقد ولا نفك. (5) البقاء للأصلح

من رأيي أن العالم يتقدم دائما من وقت أن خلقه الله، وأن الأنبياء جاءوا بشرائع مختلفة وفقا لتقدم الإنسان - قد تتخلف بعض المرافق، وتتخلف بعض الأخلاق، وتتخلف بعض الأمم في العالم، بل قد تفنى، ولكن العالم ككل يتقدم دائما، ومن أغرب الأمر أن ساسة بعض الأمم لا يريدون أن يفهموا ذلك، فهم يريدون أن يعاملوا الأمم اليوم، كمعاملتهم بالأمس، ولكن لا بد أن ينهزموا؛ لأنهم كلسان في البحر، تأكله المياه من كل جانب، يوما بعد يوم، ولأنهم نشاز في الطبيعة ، انظر مثلا مسألة الاستعمار؛ فقد أصبحت غير متفقة مع الزمان؛ لأن المستعمرين فهموا حقوقهم أكثر مما كان يفهمها آباؤهم، وأصبحوا يضحون بدمائهم وأنفسهم وأموالهم، أكثر مما كانوا يضحون، ولكن أين ذلك وعقول الساسة المستعمرين؟ لقد أخذتهم العزة بالإثم، وخجلوا مما لا يخجل منه: خجلوا من أن يقولوا لأممهم: إن الاستعمار أصبح لا يناسب الزمان، فاستمروا في غلوائهم، لا الأمم المستعمرة تعدل عن المطالبة بحقوقها، ولا المستعمرة تعدل عن استعمارها ولا بد من ضحايا كثيرة، حتى يفهم المستعمرون ما لم يفهموه اليوم، ها هي فرنسا تمعن في عدوانها في تونس والجزائر ومراكش، وتعتز بقنابلها، والقنابل وإن عملت في الأجسام، لا تعمل في الأرواح، وما ذنب أمة تحاول أن تعيش، وتقدر الحرية وتطالب بحقها في الحياة السعيدة؟ ولكن بدل أن يقابل ذلك بالتشجيع تقابله فرنسا «نصيرة الحرية» بالحديد والنار، وتصيح بملء فمها: هذه مسألة داخلية بيني وبين المغرب، لا يحق لكائن من كان أن يتدخل فيها، كأن الظلم لا يصح أن يرتفع صوت أحد في استنكاره، وتسقط وزارة فرنسية، وتقوم أخرى، فتظل سياستها على حالها، ولا يرتفع صوت أحد في إنجاد هؤلاء المظلومين، كأنهم يستحقون العذاب لأنهم مسلمون، ولو كان مكانهم نصارى لارتفعت أصوات السخط من كل جانب، كما ارتفعت من قبل يوم تسلط الأتراك على اليونان، أو كما تسلط العراق على الأرمن، فالحروب الصليبية لا تزال كامنة في النفوس، لم يزلها تقدم الزمن، ولا انتشار الثقافة.

وهذه إنجلترا تعامل مصر وإيران معاملة الأسياد للعبيد، لا تريد أن تتخلى عن بلد، ولا تعترف بحقوقها، وتعرضان شتى الحلول، فلا يقبل منهما حل، وقد علمت إنجلترا الأحداث أن الزمان يخدمها أكثر ما يضرها، ولكن هذا الزمان الذي كان يخدم، أصبح لا يخدم، والمشكلة باقية، والزمان يعقدها، ولا نجاة حالا أو مستقبلا إلا بتغير عقلية الساسة، ومسايرة الزمان.

وهذه أمريكا لا تزال تضطهد الملونين كأنهم عنصر من غير الإنسان، لا تعترف بحقوقهم، ولا تعاملهم معاملة البيض على السواء، والأمثلة على ذلك كثيرة، فهم يحاولون تدوير عجلة الزمن إلى الوراء، ومحال ذلك.

والحكيم من عرف مقتضيات الأحوال، وأحكام الزمان، فسار وفقها لا ضدها، كالذي يعرف التيار فيسير معه، ولا يسير ضده، وإذا كان الزمان قد حقق آمال بعض الأمم، فلا بد أن يحقق آمالا أخرى.

إن الذي طاح بالملوك السابقين أنهم لم يفهموا الزمان ولا مقتضيات الأحوال وعاكسوا التيار بكل قوة، فلم تغن عنهم قوتهم شيئا، وأصبح الملوك الباقون هم الذين يملكون ولا يحكمون، والعاقل النبيه إذا سئل عم أمر هل سيتحقق أو لا يتحقق، قرأ القانون الماضي، ونظر: هل هذا ينتج عنه تقدم العالم أو لا ينتج، فإن كان الأول حكم بأنه يحدث قريبا أو بعيدا، وإلا لم يحدث، والسخيف يعتقد أنه إنما يحكم بذلك بناء على تنجيم أو ولاية أو نحو ذلك.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١١٣٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١١٣٣