تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومما يلاحظ أن من أكبر أسباب الألفة وجود النفس المرحة في الصديقين أو أحدهما فذلك يضفي على الصداقة سرورا وبهجة، ويجعلها كالحديقة الناضرة أو المصباح المضيء.

إذا تمت هذه الصداقة، سهل على الصديق أن يؤثر في صديقه حتى ليتحقق ما يقول أرسطو: «الصديق هو أنت إلا أنه غيرك»، وصدق العرب ؛ إذ جعلوا أنه يمكنك أن تعرف الشخص من صديقه: إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.

آه ما أكثر أسفي لو فقدت صديقي، وما أكثر فرحي لو عثرت على صديق بمعنى الكلمة، ولكن تمر الأيام ويفقد بعض الأصدقاء، ويقل تقويم بعضهم.

وما الحياة بلا صديق؟ إنها عيش في صحراء، أو حمام ناعم بلا ماء. (4) الملكية والجمهورية

يتحدث الناس كثيرا هذه الأيام في الملكية والجمهورية: أيهما خير، وقبلنا درس الناس هذا الموضوع وأشبعوه دراسة، درسه الفرنسيون عقب الثورة الفرنسية ووصلوا من دراسته إلى تقرير الجمهورية، ودرسه كثير من ممالك أوروبا ووصلوا إلى هذه النتيجة، ودرسه الأتراك عقب ثورتهم، وبحثوا في الخلافة طويلا وقرروا بقاء الخلافة، ثم أزالوها وقرروا الجمهورية، ودرسه السوريون واللبنانيون وقرروا الجمهورية، فترى من هذا أن الدراسات العميقة تنتج الجمهورية، وكان الشأن كذلك في أمريكا، ولا نعرف أمة درست وفضلت الملكية إلا إنجلترا، وبعض ممالك أخرى قليلة، فلماذا وصلوا إلى هذه النتيجة؟

رأوا بعد الدرس أن الملكية تصطحب دائما بمفاسد، فكل ملك عادة يحيط نفسه بحاشية يستخدمها في جمع الثروة، والدعوة لعظمته والإيقاع بمن يخرج عن إرادته بشتى الوسائل، وفي عصري أنا شاهدت أربعة كانوا على هذا المنوال، وطالما صرخ السيد جمال الدين الأفغاني من حاشية إسماعيل وتوفيق، ونصح توفيقا بتغيير حاشيته في الصحف والمجلات وفي أحاديثه الخاصة والعامة، فلم يفلح؛ ذلك لأن الملكية عادة تشعر صاحبها بالسلطة وهو يرى أن السبيل إلى السلطة ممهدة له، ففي يده الجند، وفي يده المال، وفي يده جميع السلطات، وهذه كلها تستدعي الغرور، والإمعان في الظلم:

والظلم من شيم النفوس فإن تجد

ذا عفة فلعلة لا يظلم

لذلك كله تتعمق سلطته، وتتسع عظمته، حتى لا يمكن إخراجه إذا ظلم، إلا بثورة أو شبهها، لذلك كره الناس الملكية، وفضلوا عليها الجمهورية، وحتى العثمانيون في ثورة مصطفى كمال أبقوا السلطان عبد الحميد لاعتبارات عدة؛ أهمها: أن بقاء الخلافة يربط بينها وبين العالم الإسلامى كله رباطا وثيقا، فلما رأوه يدس لهم الدسائس ويعمل ليسترد سلطانه، ورأوه يمهد السبيل لعودة الاستبداد، وغير ذلك، ضحوا بما تنتجه الخلافة من رباط، وألغوا الخلافة، وعادوا فقرروا الجمهورية.

ومما جعل الناس يفضلون الجمهورية أن الرئيس زمنه محدود بسنتين أو ثلاث، فإذا أساء أمكن اختيار غيره بعد احتمال رذائله، أما الملك فلا يحد مظالمه إلا القدر بموته، أو ثورة بانتزاعه، هذا إلى أن رئيس الجمهورية نفسه يعلم أنه مؤقت بالزمن وأنه مضطر إذا أراد تجديد زمنه أن يحاسن الشعب، ويسير فيه سيرة مرضية، وإنما حمل إنجلترا على اختيار الملكية أنها أرادت أن تحافظ على الشكل؛ مراعاة لتقاليدها، وتكون جمهورية في واقع الأمر، فالسلطان هو للبرلمان لا للملك، واخترعوا العبارة المألوفة «الملك يملك ولا يحكم» وجروا على ذلك وطبقوه تطبيقا دقيقا، فإنجلترا ملكية، والملك فيها كلا ملك.

وضرر آخر وهو أن المستعمرين عادة يفضلون الملكية في المستعمرات على الجمهورية، فيفضلون ملكا لمصر، وبايا لتونس، وسلطانا لمراكش إلى آخره، والسبب في ذلك أنهم رأوا من الصعب أن يخضعوا الشعوب مباشرة، إنما يسهل عليهم أن يخضعوها بواسطة الملوك، فمن السهل على المستعمرين أن يخضعوا الملك ومن السهل على ملك الشعب أن يخضعه، ولذلك كان أحب إلى الإنجليز والفرنسيين أن يروا في الشرق ملوكا لا جمهوريات.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١١٣٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١١٣٢