تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لقد صار قلبي قابلا كل صورة

فمرعى لغزلان ودير لرهبان

وبيت لأوثان وكعبة طائف

وألواح توراة ومصحف قرآن

أدين بدين الحب أنى توجهت

ركائبه، فالحب ديني وإيماني

وقد مر على هذه الأدوار كلها شعراؤنا الثلاثة المشهورون: شوقي وحافظ ومطران فكانوا في بعض شعرهم أنانيين، ثم كانوا وطنيين، ثم كانوا إنسانيين، والإنسان إذا رقي كان كالطبيب الراقي، يعالج المريض بقطع النظر عن أنه فقير أو غني، مسلم أو يهودي أو نصراني، لا ينظر إليه إلا على أنه إنسان مريض، بل قد يتعدى بعضهم الإنسانية، فتتعدى رحمته القطة والكلب والضفدعة، وكان رسول الله يقبل الطفل حديث العهد بالولادة، والثمرة الناضجة الحديثة العهد بالسقوط، ويقول: «إنها قريبة العهد بربها»، ولو تجرد الناس كلهم من ضيق الأفق لرأيت عالما غير هذا العالم: عالما لا حرب فيه، ولا إجرام، ولا وطنية، بل هي إنسانية وعالمية تحل محل الوطنية، ولا مستعمر، بل كل من فيه إخوان، يأخذ فيه القوي بيد الضعيف حتى يقوى، والعالم بيد الجاهل، حتى يعلم. (3) الصداقة

الظاهر أن أساسها تناسب المزاج، وأعني بتناسب المزاج غير وحدته؛ فقد يكون المزاجان متناسبين، وهما مختلفان، كأن يكون أحد الصديقين قوي الشخصية، والآخر ضعيفها، فكل يرى أن الآخر يكمل نفسه ولو كانا قويي الشخصية أو ضعيفيها لتنافرا.

بل أعلم أنه في كثير من الاحيان تسوء العائلة ويكثر الشقاق؛ لأن كلا من الزوجين قوي الشخصية أو ضعيفها، ولو اختلفا في الشخصية لاتفقا، وأحيانا يكون أساس الصداقة وحدة الغرض، نبيلا كان أم خسيسا؛ فقد يصطحبان على الكأس، وقد يصطحبان لخدمة معينة للوطن، أو لخدمة علمية كما فعل إخوان الصفا.

ويلعب لعبا كبيرا في هذه الصداقة القدر؛ فقد يتصادق اثنان لأنهما تقابلا في القطار، أو تكلما في وليمة، أو نحو ذلك، وكانا لا يتصادقان لو لم يحدث هذا الحادث المفاجئ.

ويعمل عملا كبيرا في الصداقة مركزهما الاجتماعي، كأن يكون مركز الاثنين رفيعا أو وسطا أو وضيعا.

ونجد في هذه الحياة أحيانا رفيع المنصب يصادق وضيعه ولكنها ليست الصداقة الحقيقية بل إن الأول يصادق الثاني كخادم له، والثاني يصادق الأول اعتزازا بصداقة كبير يفتخر به، أو كان الاثنان متصادقين في الصبا ثم اختلفا في المنصب، وبقيت الصداقة.

ونلاحظ أن الصداقة على أنواع: فقد يكفي في تكوينها وقوع للنظر على النظر، أو المحادثة من أول كلمة، فتكون كشعلة النار، تلتهب التهابا سريعا، وقد تكون الصداقة متكونة على طول الزمن، وربما كانت هذه أحسن.

وهناك أشخاص نمت عندهم قوة الصداقة، فهم سرعان ما يصادقون، وهناك أناس حذرون قلما يصادقون، ولكن والحق يقال، إن هؤلاء الحذرين الذين لا يصادقون إلا بعد طول أناة وكثرة تجربة أقدر على الصداقة الحارة.

ويجب أن يدقق في التفرقة بين المعارف والأصدقاء، فكثير هم الذين نعرفهم وقليل جدا هم الذين نصادقهم.

وكثيرا ما يفسد الصداقة سوء الظن، أو سوء التفاهم، أو تغير الحال، كمن كان ضعيفا ثم قوي، أو قويا ثم ضعف، ومن أغرب ما يضعف الصداقة أن تكون الصداقة مبنية على العقل لا على العاطفة، ويعجبني قول الشاعر:

ليس يستحسن في شرع الهوى

عاشق يحسن تأليف الحجج

بني الحب على الجور فلو

أنصف المحبوب فيه لسمج

وأسوأ ما يفسد الصداقة أنانية أحد الصديقين، فهو يريد أن يعامل صديقه معاملة السيد لعبده، فهو دائما يتحكم في صديقه، فيما يأكل وما لا يأكل، وفيما يرى في السينما وفي التمثيل وما لا يرى، وفيما يفعله في النزهة والرياضة وما لا يفعل، وليس يسمح لصديقه أن يتحكم مرة واحدة في حياته.

وعلاقة الصداقة الطيبة ارتياح الصديق لصديقه، والاطمئنان إليه، وعد ساعات الوصال أسعد من الاجتماع بآلاف المعارف، ثم يشعر الصديق بما يشعر به المحب من لذة الوصال وألم الفراق، لا أن يتركه لمجرد المصادفة، يهش حين يراه، ولا يذكره حين يغيب عنه.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١١٣١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١١٣١