تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

| خواطر

(1) مدرسة جديدة

1

قرأت في إحدى الصحف الإنجليزية أن أستاذا إنجليزيا اسمه مستر بلوم أنشأ مدرسة جديدة، وجعل أساسها عدم الخوف مطلقا، من أي صنف كان، لا خوف من الأساتذة، ولا خوف من الامتحانات، ولا خوف من العقاب يؤدب به الطلبة، ولا غير ذلك من أنواع الخوف، وقد أرصد النتائج لذلك، فقال: إنها أنتجت نتائج باهرة، فالطالب إنما يعتمد على ضميره، وقد خرج من المدرسة شاعرا بالحياة، مبتهجا بها، بل جعل مجلس شورى للطلبة ومن الطلبة، يضع لهم مناهجهم، ويوجه نظرهم إلى ما يجب أن يعملوا، وما لا يعملوا.

وقد لفت نظري هذا، إلى أن من فكر هناك فكرة جديدة، مكن له أن يجربها في حرية، فإذا نجحت عممت، سواء في ذلك الأفراد والحكومات، أما عندنا فلا بد أن ينصب التعليم في قوالب معينة، ومن نادى بفكرة جديدة أهمل، ولم يلتفت إلى فكرته.

وقبل ذلك نادى ابن خلدون في مقدمته بعدم التخويف وأبان أنه ضار بالمتعلمين، يقول: «إن الشدة على المتعلمين مضرة بهم؛ وذلك أن إرهاق الحد بالتعليم مضر بالمتعلم، سيما في أصاغر الولد، ومن كان مرباه بالعسف والقهر من المتعلمين أو المماليك أو الخدم، سطا به القهر وضيق على النفس في انبساطها، وذهب نشاطها، ودعاه إلى الكسل وحمله على الكذب والخبث، وعلمه المكر والخديعة وصارت له هذه عادة وخلقا، وفسدت عليه معالم الإنسانية التي له من حيث الاجتماع والتمرن».

ونظرة ابن خلدون وتحليله تتفق مع نظرة الأستاذ بلوم، غير أن بيئة بلوم مكنته من نشر فكرته، وتحقيق رغبته، وأما بيئة ابن خلدون، فجعلت نظرته مدفونة في كتابه إلى يومنا هذا، وكم له من نظرات صائبة.

وإذا قرأت ذلك ذكرت ما لقيته في حياتي من تعذيب وتخويف من مبدأ صباي، كان أبي شديدا قاسيا، يضرب ويشتم حتى على ما لا يستحق الشتم، وذهبت إلى الكتاب، فكان فقيه المكتب قاسيا شديدا، يضربني حتى لأني لم أهتز وأنا أقرأ، وفي المدرسة الابتدائية كان لنا مدرسون يضربوننا ويعاقبوننا أشد العقاب، حتى لأتفه الأسباب، ولما ذهبت إلى مدرسة القضاء خوفونا من الامتحان، فكان من يسقط في الامتحان ولو في مادة واحدة، منعت عنه المكافأة التي يأخذها كل شهر ... كل هذا جعل الحياة قاتمة، والنفس غير مبتهجة، تحزن لما يحزن، ولا تفرح لما يفرح، فإن بقيت بقية قليلة من التمتع بالحياة، فذاك من فضل الله، وإلا فأساليب التربية كفيلة بإماتتها، وكم في الأمة من نفوس ماتت من أساليب القسوة، وفقدت قيمتها، وكانت تكون مفتحة مشرقة، مصدرا لخير كبير، لو عوملت معاملة حسنة.

وبعد: فلو فتحت مدرسة في مصر على هذا النمط، أتعيش وتنجح، أم تموت وتفشل؟ إن هذا محل تفكير طويل، فمدرسة الحرية التي تؤسس على عدم التخويف يجب أن تكون في بيئة مشبعة بالحرية، أما بلد ضيقت فيه الحرية من قرون، وكل ما حول الناشئين ظلم وتعذيب، وتعويذ إن لا يعمل الشيء إلا خوفا من عقوبة أو ترغيبا في مثوبة، فمن الصعب أن ينشأ في وسط هذه البيئات جو مملوء بالحرية، إن أردت أن تنجح مثل هذه المدرسة، فأصلح بيئتها وما حولها، أصلح البيت وأصلح الكتاب، وأصلح معاملة الشرطي للباعة، ومعاملة العمد للفلاحين، والمأمورين للعمد، والمديرين للمأمورين؛ لأنها كلها سلسلة مرتبطة بعضها ببعض.

ومحال أن تعيش نظيفا في وسط قاذزوات، أو تسلك سبل الفضائل وحولك ما لا يحصى من الرذائل، وكانت العرب قديما تقول: «ما أشبه حجل الجبال بألوان صخورها». (2) الإنسان طفل كبير

تاريخ الإنسان من قديم ضيق فسعة بالتدريج، فالطفل الصغير أناني إلى أقصى حد، لا يعرف أحدا غير ذاته، إذا أحضر أبوه شيئا، فهو له كله، وليس لإخوته حق فيه، ويود لو أحضر له أبوه الشمس والقمر في حجره، ويرى أن كل شيء في الوجود له لا لغيره، حتى إذا كبر قليلا، فهم أن لإخوته حقا، ولكن أقل من حقه، فله وحده النصيب الأوفر، ثم إذا كبر قليلا أدرك أن الخير الذي يأتي، للعائلة كلها، ثم إذا شب أدرك معنى الوطنية، وهكذا، كذلك الإنسان فهو طفل كبير، يبدأ حياته بالأنانية فهو إذا لم يتزوج كان كل خير يناله له لا لغيره، فإذا تزوج أشرك معه زوجته وأولاده وأبويه، فإذا شد قليلا، أدرك معنى القومية والوطنية، وأن أمته يجب أن ينالها كل خير، ويدفع عنها كل شر، فإذا نما عقله دعا إلى الإنسانية لا القومية، بل رأى أن الوطنية نكبة من نكبات العصر الحديث، وفي الناس أطفال كبار، لا يفقهون إلا البيت في أضيق حدوده، وفيهم أيضا من ذهبوا إلى الطرف الآخر، فأدركوا أن كل من في العالم إخوة، حتى الشجر والثمر، وأدركوا أن لا فرق بينهم مهما اختلف دينهم، سواء كانوا يهودا أو نصارى أو وثنيين، وفي ذلك يقول محيي الدين بن العربي أبياته اللطيفة:

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١١٣٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١١٣٠