وأما أخبار الآحاد، فما انفرد بروايته واحد من أهل اللغة، ولم ينقله أحد غيره، وقالوا: وحكمه القبول، إن كان المنفرد به من أهل الضبط والإتقان، كأبي زيد والخليل، والأصمعي وأبي حاتم وأبي عبيدة، وأضرابهم، وشرطه ألا يخالفه فيه من هو أكثر عددا منه مثل ما رواه أبو زيد المنشية: المال، فلم يقله غير أبي زيد، ومثل رجل ثط ولم يقال أثط، قال أبو حاتم قال أبو زيد مرة: أثط. فقلت له: أتقول أثط؟ قال سمعتها. ومثل ما حكاه الكسائي: سمعت لجبة ولجبات، ولجبة ولجبات، فجاء بها على القياس، ولم يحكها غيره، إلى كثير من أمثال ذلك ومثل هلم جرا، قال الجوهري في الصحاح: كان ذلك عام كذا وهلم جرا إلى اليوم، قال ابن هشام في تأليف له: عندي توقف في كون هذا التركيب عربيا محضا؛ لأن أئمة اللغة المعتمد عليهم لم يتعرضوا له، حتى صاحب المحكم، مع كثرة استيعابه وتتبعه.
وكان بعض اللغويين غير موثوق به، كأن يكون غير عدل، أو يروي عن صبيان أو عن مجانين أو كان راوية من أهل الأهواء، ولم يكن بعض الجامعين يتحرى الصدق، بل كان يبيح لنفسه أن يضع، كما أخذ على ابن دريد اللغوى صاحب الجمهرة، ومما زاد في تضخيم اللغة ما طرأ على الكلمات من التصحيف؛ فقد رووا أن الخليل بن أحمد صحف يوم بعاث إلى يوم بغاث، وابن الأنباري صحف يوحا اسم الشمس إلى يوح، ورووا أن حمادا الراوية صحف في القرآن ثلاث كلمات؛ لأنه أخذه من المصحف، ولم يروه عن أحد، فحرف
وعدها إياه «بوعدها إياه»، و
في عزة وشقاق
إلى «في غرة وشقاق»،
لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه
إلى «شأن يعنيه»، وقالوا: إنه وقع في كتاب العين للخليل من التصحيف ما لا تصح نسبته إلى تلميذ من تلامذته فضلا عنه، ووقع في التصحيف الجوهري صاحب الصحاح وغيره، ولم تحقق هذه التصحيفات بل كدست فوق بعضها، وضخمت المعاجم، وذلك مثل فرشحت الناقة وفرشخت إذا استعدت للبول، وكان الواجب أن يحقق أيهما التصحيف لا أن يكدس.
وعني الجامعون للغة بقبائل خاصة وهي: عليا هوازن، وهم خمس قبائل، أو أربع، منها سعد بن بكر، وجشم بن بكر، ونصر بن معاوية، وثقيف، قال أبو عبيد: وأحسب أفصح هؤلاء بني سعد بن بكر، وقال أبو عمرو بن العلاء: أفصح العرب عليا هوازن، وسفلى تميم.
وتحرجوا من أن يأخذوا اللغة عمن جاور الحضر من قبائل العرب؛ إذ كانت وجهة نظرهم أن يأخذوا اللغة ممن صفت لغتهم، وبعدت عن الدخيل، وكانت أمامهم وجهة نظر أخرى محترمة أيضا، وهي أن يأخذوا ممن اختلط بالحضر، فإن لغتهم أوسع وألفاظها قد رققتها الحضارة.
إنما كان عملهم في الجمع بدائيا غير منظم، فهم يلتقطون ما يسمعون من الألفاظ ويدونونها، وعيب هذه الطريقة أنهم لم ينصوا في الأعم الأغلب على القبيلة الواحدة التي جمعوا منها ألفاظهم، بل يهتمون بالكلمة التي يسمعونها ويدونونها حيثما اتفق كلمة بجانب كلمة من غير ترتيب، ولذلك نرى نقصا كبيرا في هذا الجمع، فأحيانا نجد مصدرا ولا نجد له فعلا، وأحيانا نجد مفردا ولا نجد مثناه ولا جمعه، وأحيانا نجد الجمع ولا نجد المفرد، وهكذا.
والمدنيون الآن يؤلفون الجمعيات، ويعدون الخرائط والاستمارات ويحددون الأسئلة التي يريدونها، فيسألون مثلا: ما تقول بلادكم في (كيف حالك) ويقيدون فيها اسم البلد، ثم يستنتجون من ذلك نوع الناس الذين ينطقون بهذا القول، ويستخرجون من ذلك الدلائل اللغوية والاجتماعية ويرسمون الخرائط وفقا لهذه الاستنتاجات فتكون هذه العملية عملية علمية.
والقبائل كانت أعقل من أن تضع لفظين لمسمى واحد، فالقبيلة التي تستعمل كلمة «السكين» لا تستعمل كلمة «المدية» والقبيلة التي كانت تستعمل «البئر» لا تستعمل كلمة «القليب» فلما كان الجمع بدائيا، وجدت ألفاظ كثيرة مترادفة، ومن ثم كانت المعاجم مملوءة بالمترادفات، فلغتنا ليست لغة العرب، ولكن لغات العرب، وفي رأيي أن المترادفات - مع إعانتها للشاعر خصوصا في الشعر العربي الذي يلتزم القافية بل قد يلتزم ما لا يلزم، وخصوصا في الملاحم الطويلة التي تشتمل أبيات كثيرة يحتاج معها لا شك إلى مترادفات كثيرة - كالجدري في الوجه الجميل ، وقد أنكرها ابن فارس وثعلب؛ فقد روي أن ابن خالويه قال في حضرة سيف الدولة بن حمدان: إني أعرف للسيف خمسين اسما. فقال ابن فارس: إني لا أعرف له إلا اسما واحدا وهو السيف. فقال ابن خالويه: وماذا تقول في المهند والصمصام والبتار؟ قال: إنها صفات. يعني بذلك أنها اختلفت لدلالتها على صفات غير الاسم، وذلك كأسماء الله الحسنى، فإنها تدل على صفات أكثر مما تدل على ذوات، وقد حكي أن أبا عبيدة افتخر يوما أمام الرشيد بأنه يحفظ عشرة أسماء لكل عضو من أعضاء الفرس؛ فقال الأصمعي: إني لا أحفظ إلا اسما واحدا. فاستحضر الرشيد فرسا، وسأل أبا عبيدة عن تطبيق الأسماء العشرة على كل عضو فلم يعرف، فسأل الأصمعي فذكرها فوهب له الفرس، مما يدل على أن بعض الجامعين لم يكونوا يدققون كثيرا في دلالة الأسماء على مسمياتها.