تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إني لأرضى من بثينة بالذي

لو ابصره الواشي لقدت بلابله

بلا وبأن لا أستطيع وبالمنى

وبالأمل المرجو قد خاب آمله

وبالنظرة العجلى وبالحول ينقضي

أواخره لا نلتقي وأوائله •••

ومن أهم فروق بين الشعر الجاهلي والشعر الأموي الشعر السياسي وانقسام الشعراء إلى أحزاب سياسية؛ فقد كان كل ما عند الشاعر الجاهلي تعصبه لقبيلته، فلما جاء الإسلام رأينا الخلاف يشتد بين الشعراء القرشيين والأنصار، فإذا وصلنا إلى العصر الأموي، ورأينا عثمان يقتل، ويقوم النزاع بين علي ومعاوية، رأينا النزاع يشتد، فحزب يؤيد معاوية، وحزب شيعي، يرى أن الخلافة في علي وأبنائه.

ونشأ حزب الخوارج في الجزيرة، وهم يرون أن تكون الخلافة شورى بين المسلمين، غير محصورة في قريش وغيرها من القبائل، ثم رأينا حزبا يلتف حول عبد الله بن الزبير، ويراه أحق بالخلافة ويجاهد الأمويين.

كل هذه الأحزاب كانت تتلهف على الشعراء؛ لأن الشاعر في وقته كان يقوم مقام الصحيفة في عهدنا، فكان الشعراء يتقاتلون كما يتقاتل الجنود، وكان بنو أمية أكثر عددا؛ لأن القوة في أيديهم، والمال الكثير في خزائنهم، يغدقون منه على الشعراء فعرف الأخطل مثلا بأنه أكبر داعية للأمويين، وكذلك جرير والفرزدق، وعرف عبد الله بن قيس بأنه كان يتعصب لعبد الله بن الزبير، وعرف عمران حطان بأنه كان يتعصب للخوارج، وهكذا.

فمعيشة الحضارة كونت الأحزاب، وطبيعة الأحزاب كونت الشعراء الحزبيين، وما كان شيء من ذلك موجودا في العصر الجاهلي، فلا مؤيدون ولا معارضون ولا أحزاب ولا من ينتسب إليها. •••

فهذا الغزل العادي، وهذا الغزل العذري، وهذا الشعر الحزبي، كل ذلك مظهر من مظاهر الحياة المدنية التي انتقل إليها العرب فرقت من الشعر، وجعلته يملأ الجو بلونه الجديد.

وكما دخل على الشعر تطور جديد بسبب المدنية، دخل على النثر تطور جديد وهو ما نرجئه إلى حديث قادم إن شاء الله.

| جمع اللغة العربية1

كان المثقفون في العهد الأول، وصدر من الدولة العباسية، لا يلتفتون إلى جمع اللغة؛ فاللغة تؤخذ من أفواه العرب، ومن شاء أن يتعلمها فليتعلمها من بادية البصرة والكوفة في العراق، أو بادية العرب في الشام، فكان ابن المقفع وبشار بن برد مثلا يخرجان إلى هذه البادية ويقيمان فيها ويتعلمان ما طابت لهما الإقامة، شأنهم في ذلك شأن الطفل ينشأ بين أبويه وقومه، ويتثقف بثقافتهم، وينطق لسانه بلغتهم، وهذا هو التعلم الطبيعي للغة، فلما جاءت موجة التدوين، وتخصصت كل فرقة لعلم، فقوم للفقه، وآخرون للنحو، اشرأب قوم لجمع اللغة فجمعوها أولا من لغة القرآن الكريم، مستعينين على ذلك بتفسير المفسرين، وبالأحاديث التي صحت عندهم، ومستعينين أيضا بتفسير المحدثين، ولم يكتفوا بذلك، بل ساحوا في جزيرة العرب بين القبائل العربية، يجمعون كل ما يسمعون؛ وكان من أشهرهم عبد الملك بن قريب الأصمعي، والكسائي، والأزهري، وكان الأصمعي أميل إلى جمع نوادر العرب، يتحدث بها إلى الملوك، وكان الكسائي يخرج من حين لآخر ومعه قنينة مملوءة خبزا وكاغد، وقد أسر الأزهري من القرامطة ومكث نحو سنتين في الجزيرة بين القبائل يصيف في الستارين، ويشتي في الدهناء، ويرتبع في الصمان، وألف في اللغة كتاب التهذيب الذي أخذه ابن منظور في لسان العرب.

وقد جد المؤلفون فيما بعد، في حذو المحدثين في تقسيمهم اللغة إلى متواترة ورواية آحاد؛ فالمتواتر لغة القرآن، وما تواتر من كلام العرب، واشترطوا أولا في ذلك أن يبلغ عدد النقلة حدا لا يجوز على مثلهم الاتفاق على الكذب فيه، كرواة لغة القرآن وما تواتر من السنة، وقد استشكل الفخر الرازي في تفسيره وجود التواتر في اللغة، قال: لأنا نجد الناس مختلفين في المعاني والألفاظ التي هي أكثر الألفاظ تداولا ودورانا على ألسنة المسلمين، اختلافا شديدا، لا يمكن فيه القطع بما هو الحق، كلفظ «الله»؛ فإن بعضهم زعم أنها عبرية، وقال قوم سيريانية، والذين جعلوها عربية اختلفوا هل هي مشتقة أو لا؟ والقائلون بالاشتقاق اختلفوا اختلافا شديدا، وكلفظ الإيمان والكفر، والصلاة والزكاة قال: فإذا كان هذا الحال في هذه الألفاظ التي هي أشهر الألفاظ والحاجة إليها ماسة، فما ظنك بسائر الألفاظ؛ فإذا كان ذلك كذلك، ظهر أن دعوى التواتر في اللغة متعذرة. والإشكال الثاني أن من شرط التواتر استواء الطرفين والواسطة، فهب أننا علمنا حصول شرط التواتر في حفاظ اللغة في زماننا، فكيف نعلم حصولها في سائر الأزمنة؟ والثالث أنه اشتهر، بل بلغ مبلغ التواتر، أن هذه اللغات إنما جمعت عن جمع مخصوص كالخليل، وأبي عمرو، والأصمعي، وأقرانهم، ولا شك أن هؤلاء ما كانوا معصومين، ولا بالغين حد التواتر، وإذا كان كذلك لم يحصل القطع واليقين بقولهم، وقد ضربوا أمثلة من المتواتر بما جرى على ألسنة الناس من زمن العرب إلى الآن كأسماء الأيام والشهور والربيع والخريف والقمح والشعير والأرز والحمص والسمسم.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١١٢٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١١٢٤