تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والترادف في نظري ليس مزية من مزايا اللغات، بل هو عيب من عيوبها، فإن كان موجودا في اللغات الحية كالإنجليزية والفرنسية فهو أثر من آثار اللغات القديمة، والمثل الأعلى للغة لفظ واحد لكل مسمى فلا ترادف ولا اشتراك، ولذلك كانت المترادفات في اللغات القديمة أكثر منها في اللغات الحديثة، ومع أن ألفاظا كثيرة عدت مترادفات وإن لم تكن مترادفة لدقة الفروق بينها، مما أدى إلى عناية بعض العلماء من مستشرقين وعرب إلى تأليف كتب في الفروق، كما فعل أبو هلال العسكري وكما فعل بعض الآباء اليسوعيين - إلا أنها مع ذلك من غير شك كثيرة في اللغة العربية مما ملأ المعاجم بالمترادفات وضخمها ضخامة كاذبة.

وشيء آخر وهو أن القبائل تختلف فيما بينها أيضا في اللهجات، وقد تكون الكلمة تنطق بها قبيلة بلهجة ثم تنطق بها قبيلة أخرى بلهجة أخرى، كما تختلف اللهجات في مصر بين القاهري والإسكندري والصعيدي والدمياطي، ويتبع ذلك ما روي كثيرا في كلمات من القلب والإبدال، فمثلا تقول قبيلة جبذ في جذب، وبكل في لبك، ومثل أن يقولوا: «أشد سوادا من حلك الغراب» ومن «حنك الغراب» وقال بعض العرب: «فأبعدكن الله من شجرات» وقال بعضهم: من شيرات، وهكذا.

فلما جاء صانعو المعاجم جمعوا هذا كله إلى بعضه من غير أن يتخففوا من اللهجات المختلفة، مكتفين بلهجة ممتازة بالوضوح.

ثم كان أن اختلف العلماء الجامعون للغة في فهم الكلمة أو الجملة من الأعراب، خصوصا وأن كلمات كثيرة إنما تفهم بالقرائن، فكان عالم يفهمها بفهم، وآخر يفهمها بفهم آخر، وهذا ربما كان السبب في وجود بعض الألفاظ المشتركة مثل قرء في الحيض وفي الطهر، خصوصا وأن اللغة العربية تعتمد أكثر ما تعتمد على الصيغ القريبة مع الاختلاف البعيدة في المعنى كالفرق بين رجل ضحكة وضحكة وطلعه وطلعه، ونحو ذلك، وقد يدق معنى كل تركيب، ويقع اللغويون في التضارب، ماذا نستنتج من كل ذلك؟

نستنتج من كل هذا أن اللغة قد تضخمت تضخما مزيفا كثيرا وكانت نتيجة ذلك تضخم المعاجم تضخما أيضا مزيفا، وقد يكون هذا مقبولا، لو لم تدهمنا الحضارة الغربية بكثير من المسميات والمعاني، نحتاج معها إلى ألفاظ كثيرة وهي تغمرنا كل يوم بمئات المصطلحات، التي كثيرا ما نعجز عن مسايرتها، فكان المعقول أن نتخفف من كثير من الكلمات؛ لنفسح مكانا لها في المعاجم، وقد فعلت قريش خيرا مما فعله جامعو اللغة العربية ومؤلفو معاجمها، فإنهم صفوا اللغات المختلفة ونقوا خيرها واستعملوه لغة لهم وبها نزل القرآن، فلم يجمعوا كل ما قيل عن القبائل، بل نخلوه واقتصروا على ما حسن وقعه في أسماعهم وراق في أذواقهم.

بقي سؤالان هامان وهما: ألم يرد في القرآن الكريم مترادفات لنثبت أن قريشا اختارت من اللغات أحسنها؟ والسؤال الثاني: أيهما خير، أنضحي بوحدة القافية في الشعر لتنقية اللغة من المترادفات؟ أم نبقي عليها للإبقاء على الشعر العربي في شكله القديم؟

ومن رأينا في الإجابة على السؤال الأول أن ليس في القرآن مترادفات، وإنما كلمات متقاربة المعنى مثل أفلح وفاز، دقت الفروق بينها، أو على الأقل اختلف وقع الكلمة باختلاف موضعها؛ فقد تكون كلمة أوقع في محلها حيث تكون الأخرى أوقع في محلها الآخر، وقد أدرك الجرجاني في دلائل الإعجاز ذلك؛ إذ قال: إن كلمة (أيضا) ليست من الكلمات التي تستحسن في الشعر، ولكن وردت جميلة في بيت شعري وهو:

غير أني بالجوى أعرفها

وهي أيضا بالجوى تعرفني

وأما عن السؤال الثاني: فيمكننا أن نهدر المترادفات، ونهدر معها ورود القصيدة على قافية واحدة، خصوصا وأنه من الصعب في الملاحم وأمثالها، أن نطيل أبياتها على روي واحد وقافية واحدة؛ والمهرب من هذه الصعوبة هو أن تتغير القافية في كل عدة أبيات، كما اضطر البستاني أن يفعل ذلك حين ترجم الإلياذة، وبذلك كله نفسح مكانا واسعا في المعاجم للكلمات الحديثة والمصطلحات الحديثة.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١١٢٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١١٢٦