تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ورأينا الغزل في هذا العصر ينقسم إلى قسمين: غزل عادي كالذي يحدث بين الناس العاديين في كل عصر، وغزل عذري، فالذي يمثل الغزل العادي عمر بن أبي ربيعة والذي يمثل الحب العذري جميل بثينة.

فعمر بن أبي ربيعة فتى قرشي جميل الشكل غني، وهب حياته كلها للغزل، ولذلك لم يتجه لمدح ملك أو أمير، ولم يكتف بأن تكون قصيدته كلها في الغزل بل كان ديوانه كله في الغزل، وقد كان موطنه الحجاز، والحجاز قد بلغه الترف أيضا بما صب فيه من أموال وغنائم على أثر الفتوح، ونساء جميلات من الرقيقات المأسورات، فأصبح الحجاز مجالا للترف والنعيم وميدانا للجمال، فكان ذلك مادة صالحة لحب ابن أبي ربيعة وغزله الكثير، وديوانه مملوء بذكر النساء اللائي أحبهن، فلم يكتف بواحدة ولا اثنين، بل كان يتتبع الجمال حيث وجده.

وكان عمر كما ذكرنا جميلا في شكله، ناعما في حبه، تهواه النساء لجماله وشاعريته وجاهه، ولذلك لم يشعر بالصدود إلا قليلا، وكان ديوانه عبارة عن قصص قصيرة فيما حدث له مع حبيباته.

وفيه خصلة أخرى وهي أنه كان شديد الشعور بشخصيته، يتغزل في نفسه أكثر مما يتغزل في محبوباته، فديوانه كله مملوء بقالت وقلت، ونظرت إلي وأعجبت بي، وما كان منها، إلى غير ذلك، مثل قوله - وهو يدل على ظرف النساء القرشيات ودهائهن:

فلما أجزنا ساحة الحي قلن لي

ألم تتق الأعداء والليل مقمر

وقلن: أهذا دأبك الدهر سادرا

أما تستحي أو ترعوي أو تفكر

إذا جئت فامنح طرف عينيك غيرنا

لكي يحسبوا أن الهوى حيث تنظر

وفي هذه القصيدة يقول أيضا:

تهيم إلى نعم فلا الشمل جامع

ولا الحبل موصول ولا القلب مقصر

ولا قرب نعم إن دنت لك نافع

نأيها يسلي ولا أنت صابر

وأخرى أتت من دون نعم ومثلها

نهي ذا النهى لو ترعوي أو تفكر

إذا زرت نعما لم يزل ذو قرابة

لها كلما لاقيته يتنمر

وكل ديوانه على هذا النحو من قصص قصير مما كان بينه وبين من أحب.

وأما الحب العذري فنوع آخر، وهو منسوب إلى بني عذرة، وهي قبيلة عربية بدوية تسكن في وادي القرى والحجر وما جاورهما من البلاد، وما زالوا بها حتى كثروا وانتشروا ووصلت بلادهم إلى أطراف الشام، وقد عرفوا برقة القلب وفنائهم في حبهم وعفتهم حتى أصبح يقال لكل حب عفيف: عذري، ولو لم يكن أصحابه من بني عذرة، وأهم خصائصهم العفة والمعيشة الفطرية، واقتصار المحب على محبوبة واحدة، وأكثر ما يطيب لهم وصف ما يلاقون من ألم البعد ومرارة الحرمان والصدود.

والباحث يحار في نشوء هذا الحب وتعليله، فالظاهر أنه يرجع إلى أمور أولها ما منحوا من رقة في القلب، كما نرى من صفات خاصة في سكان بلاد مختلفة، يضاف إلى ذلك عيشتهم الساذجة، ودخولهم في الإسلام الذي رقق قلوبهم، إلى غير ذلك، وربما كان خير من يمثلهم «جميل» الذى اشتهر بحبه لابنة عمه «بثينة» فعرف «بجميل بثينة» وقال: إنه قد أحبها وهو غلام صغير، وفي ذلك يقول:

وأول ما قاد المودة بيننا

بوادي بغيض يا بثين سباب

فقلنا لها قولا فجاءت بمثله

لكل كلام يا بثين جواب

ثم صارت بثينة شابة وصار جميل شابا، فازداد بها هياما، وملأ شعره وصفا للحب ووصفا للمحبوبة وما يجده من الألم والضنى في حبه، مثل قوله:

إني لأحفظ غيبكم ويسرني

إذ تذكرين بصالح أن تذكري

ويكون يوم لا أرى لك مرسلا

أو نلتقي فيه علي كأشهر

يا ليتني ألقى المنية بغتة

إن كان يوم لقائكم لم يقدر

يهواك ما عشت الفؤاد فإن أمت

يتبع صداي صداك بين الأقبر

إني إليك بما وعدت لناظر

نظر الفقير إلى الغني المكثر

فترى غزلا يختلف عن غزل عمر بن أبي ربيعة، والشعراء قبله، فالشاعر العذري يضيف إلى الغزل شيئا روحيا، ويعتني الشاعر بوصف عواطفه، وبث شكايته، وما يلاقيه من ألم البعد، ويفكر حتى فيما سيلاقيه بعد الموت، ولعل أصدق تعبير له عن عواطفه قوله لحبيبته بثينة:

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١١٢٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١١٢٣