ومن حسن الحظ أن المشرعين الأولين كمالك وأبي حنيفة كانوا صادقين في عملهم مخلصين في بحثهم، زاهدين في حياتهم، فلم يخدعهم مال ولا منصب ولا جاه.
ولم تجرفهم السياسة مع عنفها في تلك الأيام، هذا الإمام مالك يرى الساسة يستقسمون الناس على بيعتهم بأغلظ الأيمان، من طلاق وعتاق، وحج مشاه على أقدامهم إذا هم رجعوا عن بيعتهم، فيفتي مالك بعدم وقوع طلاق المكره، فيغضب من ذلك الساسة ويلقى من ذلك عنتا شديدا، وأبو حنيفة لا يرضى كثيرا عن سياسة العباسيين فلا يقبل أن يتولى لهم القضاء، فيضرب ويسجن، فزاد من قيمتهم إخلاصهم للحق وتفانيهم فيه.
بهذه النهضة خلفوا لنا ثروة تشريعية هائلة، لو سايرت الزمن وتطورت تطورها الطبيعي ولم يقفل الاجتهاد في وجه العلماء، لكان لدينا الآن تشريع على أسس متينة، ويجاري أحداث الزمان.
لقد حدث لنا في العصور الحديثة قريب مما حدث لهم، فالمدنية الحديثة قابلت المسلمين بجزئيات لا عداد لها؛ فقد أصبحت طرق المعاملات الجديدة تخالف - في كثير من الأحيان - طرق المعاملات القديمة، وتطور العالم الإسلامي في العشرين سنة الأخيرة، ما لم يتطوره في مئات السنين الماضية؛ تدل على ذلك الأسئلة الكثيرة التي كانت ترد على المرحوم الشيخ محمد عبده مثل إيداع المال في البنوك، ولبس القبعة، وأكل ذبائح أهل الكتاب، وكالأسئلة الكثيرة التي ترد على لجنة الفتوى في الأزهر، وقد واجه الأئمة الماضون في مدنياتهم ما نواجه نحن الآن في مدنيتنا الحديثة، غاية الأمر أنهم حلوها بشجاعة وحرية، مستندين إلى أصول الإسلام، متمتعين بالاجتهاد، فوضعوا إحدى عينيهم على كليات الدين، والأخرى على المدنيات التي واجهوها، وقد سلبنا نحن الاجتهاد فصعب علينا الحل.
وإن كل شريعة من الشرائع لا بد لبقائها من كليات ثابتة دائمة، مثل: (اعدلوا هو أقرب للتقوى) و(لا ضرر ولا ضرار)، ونحو ذلك، وأشياء متموجة تواجه أحوال الزمان، وتتجدد مع تغير البيئة والظروف، ومن غير ذلك تتحجر الشريعة.
4
أنتقل الآن إلى الحديث عن أثر الفتوح الإسلامية في النهضة الأدبية.
والأدب من أكثر الأشياء تأثرا ببيئة الأديب نفسه، فحياة شوقي في القصور مثلا لونت شعره بلون خاص غير اللون الذي يتلون به البدوي، وإذا كان الرجل العادي تدعوه معيشته إلى أن يشبه الهلال بقلامة الظفر، فالخليفة ابن المعتز الذي كان يعيش في القصور المترفة يشبه الهلال بزورق من فضة قد أثقلته حمولة من عنبر، وهكذا.
فإذا نحن أخذنا أكبر كمية ممكنة من الشعر الجاهلي، وأكبر كمية من الشعر في العصر الأموي، وسلطنا عليهما الأضواء القوية، فماذا نجد من فروق؟:
نجد فروقا كثيرة لا نستطيع حصرها في حديث أو حديثين، ولذلك نكتفي ببعض الخطوط الرئيسية، وهي في نظرنا ثلاثة، خلاصتها كلها أن الحضارة أخرجتهم عن سذاجة البداوة فظهر على شعرهم الترف والنعيم على أثر اختلاطهم بالفرس في العراق وفارس، وبالروم في الشام ومصر، وعلى أثر ما يوحيه الدين من رقة العواطف.
فأول كل شيء نرى أنه قد طرأ على الغزل تطور كبير، ونرى الفرق ملموسا بين الغزل الجاهلي والغزل الإسلامي؛ ذلك أن العربي في الجاهلية كان يتغزل ولكن لا نجد له قصيدة واحدة كلها في الغزل بل هو يتغزل أبياتا في أول قصيدته ثم ينتقل إلى موضوع آخر، وكان ذلك فيه نتيجة حياته المتنقلة بين الخيام وفي الغزو والغارات.
وكانت عواطفه بدائية فهو يذكر ما يشعر به من صبابة وألم، أو نشوة وأمل، ويكتفي بذكر دار محبوبته الدارسة تلعب بها الرياح والأمطار، وتسرح فيها الوحوش، ويكتفي بوصف الفراق والوداع.
وإذ كان بدائيا لم يتعمق كثيرا في شرح تأثراته النفسية، ثم رأيناه في الحياة الجديدة الأموية رق مزاجه وقوي إحساسه وحلل عواطفه، وأصبح الغزل غرضا بعينه يقصد إليه.