تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

صلى الله عليه وسلم

أو سمعه، وهو نفسه كان واسع الفكر؛ فقد قال لرسول الله لما بعثه إلى اليمن: «إني إن لم أجد نصا في الكتاب ولا السنة في مسألة قضيت فيها برأيي»، فكان على هذا المبدأ أيضا في العراق يقضي في المسائل التي لا يجد فيها حكما في الكتاب أو السنة برأيه، أي بما يتصوره من العدالة، ومن أجل هذا نشأ أبو حنيفة وأصحابه على هذا السنن، سنن ابن مسعود، ولما نزل ابن مسعود في العراق، نزل سعد بن أبي وقاص وعمار بن ياسر وأبو موسى الأشعري وأنس بن مالك وكثير من الصحابة الذين كانوا من حزب علي لما ذهب إلى الكوفة، ولهذا كانت مدرسة العراق التشريعية عظيمة كمدرسة الإمام مالك في المدينة، وذهب إلى الشام أبو الدرداء، ومعاذ بن جبل وكثير غيرهما، وذهب إلى مصر الزبير بن العوام وعمرو بن العاص وابنه، وإلى إفريقيا عقبة بن عامر ومعاوية بن حديج، كل هؤلاء كونوا مدارس للتشريع في البلاد التي نزلوا فيها مراعين شيئين هامين: قواعد الإسلام الأساسية من جهة، وظروف البلاد التي نزلوا فيها وتقاليدهم من ناحية أخرى.

ومن أكبر الأدلة على ذلك أن الإمام الشافعي لما كان في الحجاز والعراق كان له مذهب خاص، فلما انتقل إلى مصر تغير رأيه في بعض المسائل بسبب المدنية المصرية، وسمى مذهبه الأول بالمذهب القديم، والمذهب الثاني بالمذهب الجديد، ومن الأمثلة على ذلك أيضا أن تغير الأحوال يكون سببا في تغير الأحكام، وقد رووا في ذلك حكايات لطيفة، منها أنه لما اتخذ العباسيون شعارهم السواد غلا ثمن الثياب المصبوغة بالسواد، فكان الفقهاء أولا قبل اتخاذ السواد شعارا يحكمون بأن من غصب ثيابا بالسواد نقص من قيمتها، فلما تغيرت السياسة واتخذ السواد شعارا، كانوا يحكمون بأن من غصب ثوبا فصبغه بالسواد فقد زاد من قيمته، لقد رأى الفقهاء أن بعض البلاد عنده أنظمة في الزراعة لم تكن معروفة في جزيرة العرب، كالمزارعة والمساقاة ونحو ذلك، فتعرضوا لها وأفتوا فيها.

إنما كانت أكبر مدرستين في العصور الأولى للإسلام مدرسة الحجازيين في المدينة، وعلى رأسها مالك بن أنس، ومدرسة العراقيين في الكوفة، وعلى رأسها أبو حنيفة.

سبب الخلاف بين المدرستين يرجع إلى أمور، أولا: مزاج الإمام مالك العربى والإمام أبي حنيفة الفارسي، وبين المزاجين فرق كبير.

وثانيا: أن الإمام مالكا كان يعتز بمن حوله من التابعين في الحجاز، وأنهم كانوا أعلم بسيرة الرسول وبأحكامه في المسائل، وكان أبو حنيفة يعتز بوضع يده على الحضارة الفارسية وما نشأ عنها من مسائل كثيرة تحتاج إلى التشريع، وقد نشأ عن هذا أن الإمام مالكا كان يرى أن لا يفتي إلا في المسائل التي حدثت، والتي ينبني عليها عمل، فإذا كانت المسائل خيالية أو تقديرية لم يفت فيها، وساعده على ذلك طبيعة المعيشة في الحجاز، وقلة مسائلها، أما في العراق فالمعيشة أعقد، والمسائل أكثر.

ومن أهم الفروق بين المدرستين اعتماد الإمام مالك على الحديث أكثر؛ لوفرته في الحجاز، بينما الإمام أبو حنيفة يشترط في الحديث شروطا دقيقة، وبجانب ذلك يعتمد على القياس، من أجل ذلك كله ترى أن الأحكام التي رويت عن الحجازيين، كالموطأ والمدونة، أقل بكثير من الأحكام والمسائل عن العراق.

والخلاصة من هذا كله أن المدارس المختلفة في الحجاز والعراق والشام ومصر وإفريقيا كانت كلها خيرا على التشريع؛ فقد نشطت نشاطا لا حد له، والأمم الحية دائما يختلف مشرعوها حسب اجتهادهم وأساس أحكامهم، وقد استطاعوا في عهد قريب أن يغطوا المسائل التي واجهوها في المدنية الحديثة، وأن يفتوا فيها برأي أو آراء، وأن يضعوا مكان المدارس الرومانية والفارسية مذاهب إسلامية، فكان رأي مالك وأبي حنيفة يحتل مكان رأي «جايوس» الروماني وأمثاله.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١١٢١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١١٢١