يروى أن رستم زعيم الفرس لما هزم يوم القادسية قال: «أكل عمر كبدي أحرق الله كبده، علم هؤلاء حتى علموا»، وفي الحق أنهم علموا كثيرا، علموا من كل ما وقع عليه نظرهم من عمارة وري ونظام إداري واقتصادي واجتماعي؛ فانتقلوا بذلك نقلة كبيرة، وكما علموا كل ذلك علموا البلاد المفتوحة شيئين هامين، وهما: لغتهم ودينهم، فكان التعلم متبادلا.
يتعلم العرب كل مظاهر الحضارة، ويتعلم المحكومون اللغة والدين، وكانت المملكة الإسلامية كلها بوتقة تغلي فيها كل هذه التعاليم، فكل يأخذ ويعطي، ويعلم ويتعلم، ومن أجل هذه النهضة رأينا العرب في العصور التالية غير العرب في جزيرتهم، يديرون على أحدث طراز، وينعمون بالعيش على أحسن طراز.
هذه هي النهضة الثانية، وسأحدثكم عن النهضة الثالثة في الحديث الثالث إن شاء الله.
3
استمرت الفتوح الإسلامية، فبعد أن فتحت فارس وكثير من بلاد الروم، فتح العرب جزءا كبيرا من الهند، فزادت معرفتهم بحضارتها، ثم فتحوا إسبانيا، فعرفوا الحضارة الإسبانية، وفتحوا جزءا من فرنسا، فعرفوا ما بها من حضارة، فوضع المسلمون أعينهم على مختلف الحضارات.
وكما حدث في الماديات، حدث في المعنويات، لقد نشأ بعد ذلك جيل جديد مولد من آباء من العرب وأمهات من البلاد المفتوحة، يحملون خصائص هذا وخصائص ذاك، كذلك كان الشأن في المعاني.
فقد نشأت أفكار يمتزج فيها الفكر العربي بالفكر الفارسي أو الهندي أو المصري أو الشامي أو الإسباني، فكانت أشبه ما تكون ببوتقة وضع فيها ذهب وفضة ونحاس مزجت كلها مزجا غريبا، ونشأت عن ذلك نهضات مختلفة، نهضة في التشريع وفي الأدب وفي الاجتماع، سأتحدث عنها تباعا.
لقد كان المسلمون من ناحية جمعوا القرآن الكريم وبدأوا يجمعون الحديث، وكان لبعض الصحابة فتاوي كثيرة في مسائل كثيرة عرضت عليهم، فكانت كلها مصدرا للتشريع، ومن ناحية أخرى رأوا قوانين غير إسلامية؛ فقد كان في بيروت والإسكندرية مدارس للقانون الروماني، وكانت هناك في فارس تشريعات للفرس، وكانت البلاد كلها متأثرة بهذه القوانين يجرون عليها في قضاياهم ومعاملاتهم، فوجب أن تعرض هذه كلها على الإسلام: هل يقرها أو يعدلها أو يغيرها؟
وإلى جانب ذلك: لكل مدنية من المدنيات معاملات خاصة، معاملات مدنية، ولها جرائم جنائية، يجب أن تعرض على الإسلام والمسلمين ليبدوا حكمهم فيها، ولذلك يقول عمر بن عبد العزيز: «تحدث للناس من الأقضية بقدر ما يحدث منهم من الفجور».
فمدنيتنا الحديثة تخلق كثيرا من المشاكل لم تكن موجودة من قبل، ولا بد من أن يتصدى لها التشريع، كمشاكل مرور الطائرات على البلاد الأجنبية، ومشاكل استخدام القنابل الذرية، وتواجه جرائم جديدة كاستخدام الكوكايين والهيرووين مما لم يكن للمدنية السابقة عهد بها، كذلك واجه العرب مسائل جديدة لم يكن لهم بها عهد أيام كانوا في جزيرة العرب، ولم يرد فيها كتاب ولا سنة، فبماذا يحكمون فيها بمقتضى الأصول الإسلامية؟
لقد نشطوا في هذا نشاطا كبيرا يستدعي الإعجاب، ولم يمض قرن حتى ألفت الكتب الكثيرة في التشريع الإسلامي، فإذا قارنا عملهم في قانونهم بعمل الرومان في قوانينهم مثلا، وجدنا أن المسلمين كانوا أسرع وأنشط، فالقانون الروماني لم يدون إلا بعد قرون من الفتح الروماني، ثم كان للمسلمين نظرات صائبة تتعلق بالتشريع، فعمر بن الخطاب مثلا رأى أنه لا بد له من جماعات حوله من كبار الصحابة يكونون عونا له على التشريع فيما يعرض له من مسائل، ولذلك منع بعض كبار الصحابة من الخروج من المدينة إلا برخصة منه على أن تكون الرخصة مؤقتة، فلما جاء عثمان رأى أن تنتفع البلاد برأي العلماء، وينتفعوا هم بما يرون في البلاد من حضارة، فرخص لهم في السفر، بل تعمد بعد ذلك عمر بن عبد العزيز أن يرسل البعثات من كبار التابعين للأقطار المختلفة، وقد تفرق كبار الصحابة في البلدان المختلفة فأثروا فيها بمعلوماتهم ومزاجهم، وتأثروا بمدنية البلاد التي نزلوا فيها ونوع حضاراتها، وهذا سبب كبير من أسباب الخلاف في التشريع، فمثلا نزل ابن مسعود الكوفة ونشر فيها علمه وأفتى بما شهده من أقضية رسول الله