تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لقد كانت جزيرة العرب ذات ماء قليل إن عثروا عليه ففي غدير، أو في بئر حقير، أو قناة صغيرة، فما بالك إذا رأوا دجلة والفرات والنيل وبردي، تلك المياه احتاجت إلى نظم للري وقوانين كثيرة، وكذلك الشأن في الأموال والتنظيم الإداري والاجتماعي والقضائي، كانت من غير شك هذه أكبر المشكلات، ومن حسن الحظ أنها حدثت أول ما حدثت في عهد عمر بن الخطاب، فكانت تنقل إليه كل كبيرة وصغيرة، وهو يفكر فيها بالشورى مع كبار من حوله، ويرى فيها رأيه.

قد كان راعي غنم، فأصبح راعي أمم، والواقع أنهم حلوا هذه المشكلة حلا لطيفا، فأولا أقروا الأمم على عاداتها وتقاليدها، ما لم يكن في تلك العادات ما يخالف الإسلام، والثاني أنهم درسوها وعرفوها، والثالث أنهم كانوا يعرفون كليات أصول الإسلام وروحه فيطبقونها على البلاد المفتوحة، وبذلك استفادوا وأفادوا، وواجهتهم مشكلات كثيرة من هذا القبيل كانوا يحلونها على هذه الأسس.

فمثلا اعترضتهم مشكلة الأراضي في البلاد المفتوحة: هل يملكها العرب الفاتحون؟ فكان رأي عمر، وشايعه على ذلك بعض الصحابة، أن هذه الأراضي تترك لأهلها، وليس للعرب الفاتحين حق ملكية شيء فيها، إنما المفتوحون يؤدون الجزية والخراج ليس إلا، وألزم عمر الفاتحين أن ينزلوا في معسكرات خاصة، كالجابية وحمص في الشام، واللدوا والرملة في فلسطين، والفسطاط في مصر، واختطوا الكوفة والبصرة في العراق.

وأسسوا الجيوش في فارس على النمط الفارسي، وفي بلاد الروم على النمط الروماني.

وعلى الجملة كان تسيير دفة هذه البلاد أصعب من فتحها، فإن حكمها بالظلم والانحراف عن الحق مدعاة لثورة أهل البلاد وانتقاضها، فكان حسن الحظ تشديد عمر في معاملة أهل البلاد المفتوحة بمنتهى العدل، فترك كل ذي دين حرا أن يتدين كما يشاء، كما أمروا بالوفاء بالعهود وعدم نقضها، وسموا أهل ذمة، أي أنهم في ذمة المسلمين، وقد كتب عمر إلى عمرو بن العاص واليه على مصر:

واعلم يا عمرو أن الله يراك ويرى عملك، وأن معك أهل ذمة وعهد، وقد أوصى رسول الله بهم، وأوصى بالقبط خيرا، واحذر يا عمرو أن يكون رسول الله لك خصما، وقد ابتليت بولاية هذه الأمة وآنست من نفسي ضعفا، وانتشرت رعيتي، ورق عظمي، فأسأل الله أن يقبضني إليه غير مفرط، والله إني لأخشى لو مات جمل بأقصى عملك ضياعا أن أسأل عنه يوم القيامة»، على الجملة عاملوهم بالعدل، فأطلقوا لهم حرية الدين وإقامة الشعائر وأمنوهم على المال والأرض وحرية المتاجرة، وشاركوهم في الأعمال، ولولا ذلك ما استقروا عاما واحدا يحكمون هذه البلاد، وكما وضع أمام عينه العدل مع المفتوحين نظر إلى العرب الفاتحين فرعاهم ورأف بهم؛ لأن لهم فضل الجهاد في الفتح، فمما أوصى به سعد بن أبي وقاص: «إني قد وليتك حرب العراق فاحفظ وصيتي، وعود نفسك ومن معك الخير، ولا تزهد في التحبب إلى الناس، فإن الله إذا أحب عبدا حببه.

كما أوصاه بالرأفه بالمحاربين والمفتوحين، كما كان شديد المراقبة لعماله، كثير السؤال عن مسيرتهم وأخبارهم، وأقام عليهم العيون يوافونه بأخبارهم، وعين محمد بن مسلمة قاصا، أي محققا لأخبارهم ومقتصا لآثارهم، فإذا شكا أحد من الرعية أحدا من العمال أرسل من يحقق في أمره، كما واجه الفاتحون أمورا إدارية نظموها على نظام مقتبس من نظام البلاد المفتوحة وحسبما تقتضيه عقليتهم.

لم يكن لهم تاريخ مضبوط، فوضعوا التاريخ لضبط الحوادث، ولم يكن لهم نظام للبريد، فوضعوا نظاما للبريد، ولم يكن لهم دواوين لحصر الجنود ولا لحصر ما يجبى من الأموال، فوضعت الدواوين مقتبسة من النظام الفارسي كما يدل عليه اسم الديوان نفسه، وعلى الجملة فقد خالط العرب الفاتحون هذه الأمم المفتوحة، ورأوا ذلك الملك العريض، ورأوا نظم الحضارة ورفاهيتها وانقلبوا من عرب بدو، إلى عرب متحضرين على آخر طراز ، وأبدوا استعدادا فطريا هائلا للتأقلم، يحملون في قلوبهم دينهم وتعاليم رسولهم، ودعاهم التأقلم إلى أن يسايروا الحضارة التي شاهدوها، فإذا كانت آلات القتال العربية لا تصلح، فليستخدموا آلات القتال الفارسية والرومية، وإذا كانت معيشة البدو تقتضي الفقر والتقشف؛ فقد تمدنوا وأخذوا بنصيب وافر من الراحة والنعيم.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١١١٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١١١٩