وهو يلفت نظرنا إلى أن من أهم الفروق بين الحياة الجاهلية والحياة الإسلامية نوع العبادة، فعبادة الجاهلية عبادة أحجار وأوثان، وعبادة الإسلام عبادة إله واحد، وفرق كبير من ناحية النهضة الفكرية بين عبادة هذا وعبادة ذاك، عبادة الأحجار والأوثان تذل النفس وتضعها وتشل العقل وتدسه في التراب، وعبادة الله وحده رب العالمين وخالق السموات والأرضين ترفع النفس وتعزها حتى أمام الملوك والأمراء؛ لأنهم مثله عبيد الله، وهو وحده مدبر أمرهم ومسيرهم، فمن اعتقد بإله واحد خالق كل شيء ومدبر كل شيء عزت نفسه ولم ير أحدا سيدا عليه غير الله، وأن الخلق مهما عظموا تساووا معه في عبوديتهم لله.
كل هذه الأمور نهضت بالعرب وغيرت نفسيتهم، وبعد أن كانوا ينظرون إلى الفرس والروم نظرة خضوع وذلة أصبحوا ينظرون إليهم على أنهم خير منهم؛ إذ يقول الله تعالى لهم:
كنتم خير أمة أخرجت للناس .
لذلك ارتفع شأنهم أمام أنفسهم، وعلت روحهم المعنوية، واستطاعوا أن يحاربوا فارس والروم ويخضعوهم لهم، وما كانوا يستطيعون ذلك لو بقوا على روحهم الجاهلية؛ فقد قضوا في جاهليتهم أجيالا وأجيالا وهم في استكانة وامتهان أمام عظمة الفرس والروم، إن حاربوا فإنما يحارب بعضهم بعضا، وإن نهبوا فإنما ينهب بعضهم من بعض، أما أمام غيرهم فأذلاء جبناء، ثم نهضوا بالإسلام نهضتهم فتكونوا أمة واحدة، وارتفعت نفوسهم فأصبحوا أمة تخشاها الأمم.
لقد جاء الإسلام فجعلهم يؤمنون بالجنة والنار، فمن قتل في الحرب قتل شهيدا، ومن عاش عاش عزيزا، فبث ذلك في نفوسهم روحا غريبة يرويها التاريخ، فكان إذا جد الجد باعوا أرواحهم بيع السماح ولم يذلوا ولم يستكينوا وضحوا بأموالهم، وبأنفسهم إذا دعت الحال.
ولم يكن هذا الانتقال من حياة جاهلية إلى حياة إسلامية بالأمر اليسير السهل، فالناس عبيد ما ألفوا، كارهون لكل دعوة جديدة، ولذلك نرى في التاريخ ما وجده النبي
صلى الله عليه وسلم
وأصحابه من صعوبات، وما نالوا من عذاب بسبب جهادهم في نقلهم الناس من عقلية قديمة إلى عقلية جديدة، فاحتملوا في ذلك من العذاب ما لا يوصف، ووقفوا وقوف الأبطال، حتى يروى عن ابن عباس أنه قال: «والله إن كان المشركون ليضربون أحدهم ويجيعونه ويعطشونه حتى لا يقدر أن يستوي جالسا من شدة الضر الذي نزل به».
وهكذا كل نهضة في التاريخ تكون مصحوبة بقوم يتحمسون لها، وقوم رجعيين يعرقلون سيرها؛ وقد جرت العادة أن البقاء للأصلح، وأن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين.
من أجل هذا كله، عددنا تحول العرب من جاهلية إلى إسلام، «نهضة فكرية» كبيرة، بل هي أكبر نهضة فكرية في حياة العرب، أما ما جاء بعدها من نهضات، ففرع لها، وناشئ عنها، وسنتتبع سير العرب في تاريخهم، وما كان لهم من نهضات أعلت شأنهم، وأعزت جانبهم.
2
حدثتكم في الحديث الماضي عن الإسلام نفسه كنهضة فكرية، واليوم أحدثكم عن نهضة أخرى في الإسلام، تلك هي نهضة العرب بسبب الفتوح.
لقد كان العرب في جزيرتهم يكادون يكونون منعزلين عن العالم الذي حولهم، فإذا وصل إليهم شيء من المدنية التي حولهم فأشعة ضعيفة جدا.
فمثلا كان يحد ساحل الجنوب الغربي من البحر الأحمر قوم تسربوا إليه من ساحل الجزيرة المقابل سموا بالأحباش؛ لأن أصلهم من الحبشة، وكانت الحبشة ذات مدنية وإن كانت ضعيفة، وكان ينازع الحبشة في السيادة على اليمن الفرس، فتسربت منهم إلى العرب بعض مدنيتهم عن طريق اليمن أحيانا، وعن طريق العرب الذين كانوا يسكنون الحيرة في العراق أحيانا.
ويحدثنا التاريخ أن سلمان الفارسي كان عارفا بأساليب الحرب الفارسية، وهو الذي أشار على النبي
صلى الله عليه وسلم
بحفر الخندق حول المدينة في غزوة الخندق، واقتنع النبي بفكرته، وأسرع الصحابة إلى تنفيذها، إنما كانت الاستفادة الكبرى من المدنيات العظيمة يوم فتحوا فارس وقسما كبيرا من بلاد الروم، وكان أكثر ذلك في خلافة عمر، فدعاهم هذا الفتح إلى سكنى هذه البلاد، بعضهم في فارس، وبعضهم في الشام وفي فلسطين، وبعضهم في مصر، فرأوا إذ ذاك مدنية كبيرة، وعرفوا ما لم يكونوا يعرفون، وكان مثلهم مثل أسرة تسكن كوخا صغيرا، انتقلوا منه إلى قصر فخم عظيم، أو كعامل يشتغل على مغزل يدوي عهد إليه الوقوف على ماكينة ميكانيكية كبيرة، غاية الأمر أن لهم خصالا ممتازة: فهم ذوو روحانية عالية، وذوو استعداد للتطور مع الزمان والأحداث، وقفوا إذ ذاك موقفا في غاية الصعوبة، وهو كيف تدار هذه الممالك الفخمة الضخمة خصوصا أن لكل بلد عادات وتقاليد لم يكونوا يعرفونها، فلهم نظم في الحرب والري وفي الضرائب، وعلى العموم في المسائل التشريعية والاجتماعية الاقتصادية.