تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد حدث هذا الحلف في عهد النبي

صلى الله عليه وسلم

قبيل بعثته، وفي الحديث أن رسول الله

صلى الله عليه وسلم

قال: لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو دعيت إليه في الإسلام لأجبت.

فلما جاء الإسلام أكمل هذه النزعة وطالب بالعدل على أدق معنى وأوسعه، فالغني والفقير أمام العدل سواء، وصاحب الجاه وعديم الجاه سواء، بل أكد معنى آخر أدق وهو أنه يجب على الإسلام العدل مع من أحب أو كره.

يقول الله تعالى:

ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى ، أي لا يحملنكم بغضكم لقوم على ألا تعدلوا معهم، بل يجب ألا تحسبوا حسابا للحب أو الكره أمام العدل، فالعدل واجب مع من أحببت أو كرهت، كما طلب العدل في الحرب والسلام على السواء، وبين الأقارب والأباعد على السواء، فكان في ذلك مخالفة لحياة الجاهلية كل المخالفة.

على كل حال كان من أهم أعمال الإسلام وضعه قائمة بقيم جديدة للأشياء غير القيم التي كانت لها في الجاهلية، وهل الفرق بين أمة راقية وأمة غير راقية إلا قائمة القيم؟ فالأمة الراقية تضع في أولها أحسن الأشياء وأغلاها وأعزها، وفي أسفل القائمة أتفهها وأدونها، والأمة غير الراقية تضع في أول القائمة أتفه الأشياء ولا تضع أعزها أو تضعها في آخرها.

لقد كان في أول القائمة الجاهلية الانتقام والأخذ بالثأر، وكان أحسن خلق عندهم المروءة، وهي كلمة لا حد لها وتشمل الشجاعة التي لا حد لها، حتى لو استنجد رجل بآخر فهذا الشهم ينجده مطلقا من غير سؤال هل هو محق أم مخطئ، ولذلك كانوا يقولون دائما: «انصر أخاك ظالما أو مظلوما»، فلما جاء الإسلام غير معنى هذه الجملة بأنه يجب على الإنسان أن ينصر المظلوم وأن ينصر الظالم، أن ينصر المظلوم بإعانته على تحصيل حقه، وأن ينصر الظالم بردعه عن ظلمه.

كان العرب في جاهليتهم يتمدحون بخصلتين يعدانهما خير الفضائل، وهي الشهامة التي لا حد لها والكرم إلى حد الإسراف، ويعدون من خير الفضائل الإخلاص التام للقبيلة والقسوة في الانتقام، فجاء الإسلام وغير هذا كله، فجعل المبدأ الأول الخضوع لله والانقياد لأوامره، وإخضاع منافع الشخص ومنافع قبيلته لأوامر الدين.

ولئن كان العربي الجاهلي يجعل نصب عينيه الشره وجمع المال وأخذ نفائس الأشياء إذا غنمت قبيلته، والتفاخر بالتكاثر والكبر والعظمة، فالإسلام أمر بالقناعة وعدم التكاثر بالأموال وتجنب الكبر والعظمة، وجعل للحياة مثلا عليا جديدة ربما يجمعها قوله - تعالى:

ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون .

فنحن إذا قارنا بين المثل الأعلى في الإسلام والمثل الأعلى في الجاهلية وجدنا الفرق كبيرا بينهما، حتى لقد يصح أن نسمي ما أتى به الإسلام نهضة فكرية، وربما وضح الفرق أيضا بين الجاهلية والإسلام الحديث الذي حدث به جعفر بن أبي طالب النجاشي حين هاجر هو ومن معه إلى الحبشة من ظلم أهل مكة فسأله النجاشي عن حاله فقال: «كنا قوما أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونقطع الأرحام ونسيء الجوار ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبده من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن قول الزور وأكل مال اليتيم، وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئا، فعدا علينا قومنا فعذبونا ومنعونا عن ديننا، فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلادك».

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١١١٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١١١٧