إنه لم يبق الآن إلا 37 مليون و128 ألف و800 - آحاد، تحت سلطة حكومة إسلامية، وقال: إن الإسلام الإسلام بدأ يتنبه لحقيقة موقفه ويشعر بحاجته إلى تلافي الخطر، وهو يتمخض عن ثلاث حركات إصلاحية، الأولى: إصلاح الطرق الصوفية، والثانية: تقريب الأفكار من الجامعة الإسلامية، والثالثة: إفراغ العقائد والتقاليد القديمة في قالب معقول، وأشار إلى قول الدكتور و.شيد: إن الإسلام يتحكك في كل قطر بالمدنية العصرية ومبادئها، وقال: إنه ليس في الإمكان التقدم الاجتماعي والعقلي إذا خلوا من كل صبغة دينية. وانتقل زويمر بعد ذلك إلى استنهاض الكنائس لمقاومة المسلمين، ونشر التبشير بينهم، وختم القسيس كلامه بقوله: إذا نظرنا إلى البلاد التي يحكمها هذا الدين الكبير المخاصم لنا، وإلى البلاد التي يتهددها بحكمه، يظهر لنا أن كل واحدة من هذه البلاد هي رمز لعنصر من المعضلة الكبرى؛ فمراكش في الإسلام مثال للانحطاط، وفارس مثال للانحلال، وجزيرة العرب مثال للركود، ومصر مثال لمجهودات الإصلاحات، والصين مثال للإهمال، وجاوة مثال للتغير والانقلاب، والهند مركز للتحكك بالإسلام، وإفريقيا الوسطى مكان للخطر الإسلامي، وهذه كلها مشاكل يحتاج الإسلام معها قبل كل شيء إلى المسيح. •••
من المؤسف أن حاجة المسلمين إلى الجامعة الإسلامية هي اليوم كما كانت ولم تتقدم كثيرا، ولم تكف أوربا عن مناهضتها، وكل حادثة من الحوادث الكبار تؤيد الرأي القائل بأن المسلمين لا تقوم لهم قائمة إلا بهذه الجامعة، وآخر حادثة كانت هي حرب فلسطين؛ فإن العالم العربي لم يتحد على مقاومة اليهود كما اتحدت إنجلترا وأمريكا على مناصرتهم، فضلا عن عدم اتحاد العالم الإسلامي، ولو ظل الأمر على هذا النحو فلم يتعظوا بهذا ولم يلموا شملهم، فستضيع كل يوم بلاد إسلامية جديدة، فهل يتعلم المسلمون اليوم هذا الدرس، بما أصابهم من فشل! أو سيبقون كما هم حتى يلدغوا من جحر واحد مرتين وثلاثا لا قدر الله؟!
إن الجواب عن هذا السؤال ملفوف بحجاب المستقبل.
| النهضات الفكرية في الإسلام
1
يسرني أن أتحدث إلى حضراتكم في سلسلة أحاديث عن النهضات الفكرية في الإسلام، وأبدأ اليوم بحديث عن الإسلام نفسه كنهضة؛ لأن الإسلام غير عقلية العرب التي كانوا يعيشون بها في الجاهلية، فعد مجيئه من غير شك نهضة فكرية؛ ذلك أن الإسلام لما أتى بتعاليم ومبادئ غير المبادئ التي كانوا يعيشون عليها في الجاهلية من نواح كثيرة، وأصف لحضراتكم وصفا موجزا لحياة العرب في الجاهلية، ثم حياتهم في الإسلام.
لقد كانت حياتهم في الجاهلية حياة غارات وحروب مستمرة، وقد كانت الحرب نفسها موردا من موارد كسب العيش، فإذا احتاجت قبيلة إلى مورد عيش حاربت الأخرى وسلبتها، لا ترعى في ذلك عدلا ولا نظاما، فجاء الإسلام فغير هذا المعنى وسمى نفسه الإسلام من مادة السلام، وجاء في القرآن:
وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما .
وربما كانت هذه الآية هي المفتاح الذي نصل به إلى معرفة السبب في تسمية عهده بالإسلام، ثم كان فهمهم للعدل والظلم فهما غريبا، لقد سئل شيخ قبيلة ما العدل وما الظلم؟ فقال: العدل أن أغير على إبل جاري فآخذها، والظلم أن يغير جاري على إبلي فيأخذها. وذلك ناشئ من أن العدل والظلم كانا تابعين للأرستقراطية الجاهلية، فرئيس القبيلة أو العظيم كائنا من كان في قبيلته كان له الحق أن يفعل ما يشاء من غير أن يؤاخذه أحد على ظلمه، وأما الفقير المسكين فلا حق له ولا عدل معه، ولذلك كان بعض الناس في الجاهلية قد تنبهت ضمائرهم قبيل الإسلام وأرادوا أن يضعوا حدا لهذا الظلم الصارخ الذي لا ينال فيه الفقير المسكين أي حق، وينال فيه العزيز في قومه كل حق، بل ينال فيه ما ليس له فيه حق، لذلك يحدثنا التاريخ أنه قبيل البعثة نشأ حلف في مكة اسمه حلف الفضول، سببه أنهم رأوا أن بعض الناس في مكة يبيع بضاعته لعظماء فلا يدفعون لأصحابها ثمنها، من ذلك أن رجلا من ذبيب قدم مكة ببضاعته فاشتراها منه العاصي بن وائل وكان عظيما في قومه، فلم يدفع له ثمنها، فاستعدى عليه بعض الناس وطلب مساعدتهم فلم يعينوه، ومن ذلك أن بعض هؤلاء العظماء كانوا يستجملون بعض الفتيات في الأسواق فيخطفونهن ثم لا يردونهن إلى أهلهن، كما روي أن رجلا من خثعم قدم مكة ومعه بنت له فاغتصبها وجيه من وجهاء العرب، كل هذه الحوادث وأمثلاها حركت نفوس بعض الناس، فتحالفوا أن يكونوا يدا واحدة مع المظلوم على الظالم حتى يؤدي إليه حقا، فكان حلف الفضول بذلك الوضع محكمة عدل بدائية يلجأ إليها كل من اغتصب منه حق.