تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وتعرض للفنان فيلهم معنى يصوره بريشته أو يوقع به على قيثارته، فثم الإبداع والجمال الرائع، والحسن البارع، ذاك يملأ العين حسنا بصورته، وهذا يملأ السمع والقلب عذوبة بنغمته، ثم تأتي على هذا وذاك أوقات ينضب فيها معينهما، ويفتر عنهما وحيهما.

وترى العلماء من رياضي وطبيعي وكيمياوي، يرزق أحدهم الحظوة بلمحة من هذه اللحظات، يلهم فيها فكرة يكون من ورائها مخترع عجيب، أو استكشاف خطير، عرض له أثناء بحثه، وقد لا تكون هناك علاقة ما بين ما يبحث فيه وبين ما ألهم، بل قد لا تكون هناك مقدمات مطلقا لما ألهم؛ ويقف العلم حائرا لا يستطيع أن يعلل كيف نشأت في ذهن هذا العالم تلك الفكرة، وكيف فطن لها، بل يحار المستكشف نفسه كيف عرضت له وكيف ألهم بها.

وبعد: فهل يمكن أن نضع قوانين لهذه اللحظات؟ وهل هناك عوامل معروفة إذا استوفيت أمكننا اقتناؤها والحظوة بها؟ وهل يمكن أن نجمع هذه الشروط في زر كهربائي أو زر روحاني نفتحه فتفتح علينا لحظات التجلي إن شئنا؟

لو استطعنا هذا لتضاعف الإنتاج الأدبي والعلمي في هذا العالم أضعافا مضاعفة، ولسهل على الأديب أن يستوفي الشروط، فما هو إلا أن يمسك بقلمه فيغزر ماؤه، ويسيل أتيه، وتنثال عليه الألفاظ والمعاني انثيالا.

لقد حاولوا من قديم أن يستكشفوا قوانين «التجلي» فقالوا: إن مما يعين عليه جودة الغذاء، وفراغ البال من هموم الحياة، وصحة البدن، وطمأنينة النفس، واستعانوا على نيل لحظات التجلي بمختلف الألوان، فقد قيل لكثير عزة: يا أبا صخر، كيف تصنع إذا عسر عليك قول الشعر؟ قال: أطوف في الرباع المخلية، والرياض المعشبة، فيسهل علي أرصنه، ويسرع إلي أحسنه. وقال الأحوص:

وأشرفت في نشز من الأرض يافع

وقد تشعف الأيفاع من كان مقصدا

1

ولجأ الأدباء من قديم إلى الأزهار والرياض، والمياة الجارية والمناظر الجميلة، كما لجأ بعضهم إلى الخمر يستلهمها ويستوحيها؛ وتكاد تكون لكل أديب عادة يرى أنها علة غزارته، ومفتاح إنتاجه، وأنه يستنزل بها العصم من الأفكار، ويستسمح بها الأبي من المعاني؛ ولكن هل نجحت كل هذه المحاولات في استكشاف قوانين التجلي؟ أظن أن نظرة بسيطة تكفي للقول بأنها لم تنجح؛ فقد تستوفي كل الشروط التي قالوها، فالصحة في أجود حالاتها، والغذاء خير غذاء، والكاتب أو الشاعر مطمئن النفس، هادىء البال، بين الرياض المزهرة والمياه الجارية والوجوه الناضرة، وهو مع هذا أجدب ما يكون قريحة، وأنضب ما يكون معينا؛ ثم هو يكون على العكس من ذلك كله فيواتيه شيطانه، وتتزاحم في صدره المعاني، وتتبارى على قلمه الآراء والأفكار والألفاظ.

ثم هذا أديب أو شاعر يجود قوله وتتجلى نفسه، في الأماكن الخالية والسكون العميق، وذاك لا يتأتى له هذا الموقف إلا في الأوساط الصاخبة والحركة المائجة. وأديب لا ينتج إلا إذا امتلأ جيبه واطمانت نفسه لحاجات الحياة، على حين أن الآخر لا يجيد إلا إذا فرغ وطابه، وعضه الفقر بنابه، وتكاثرت عليه الهموم.

فأين قوانين التجلي إذا كان يحدث في البيئة وضدها والظروف وعكسها؟ قد تكون كل المظاهر وكل ما يحيط بالنفس يؤذن بحال انقباض وجمود، وإذا النفس مع ذلك فياضة جياشة متجلية، وقد تكون المظاهر كلها تدل على نفس متفتحة للعمل، مليئة بالفكر، فإذا هي مجدية منقبضة. وترى الآراء القيمة والمعاني السامية قد تنبع من بيئة قاتمة، ونفس مظلمة، كما تخرج الزهرة من طين، أو كما يخرج الذهب من الرغام، والحرير من الدود.

أخشى أن يكون الذين قد وضعوا هذه القوانين وأمثالها للحظات التجلي قد تسرعوا في وضعها؛ فالإنسان معقد كل التعقيد، ولئن كان جسمه معقدا مرة فنفسه وروحانيته وعقله معقدة ألف مرة بل آلافا؛ وإن العوامل التي تؤثر في نفسه وروحانيته ليست الحالة البدنية، ولا الغذاء الصالح، ولا المناظر الجميلة، ولا الغنى والفقر وحدها، بل هناك عوامل أدق وأعمق وأغمض. إن الإنسان لا يعيش في بدنه وحده، ولا في محيطه فقط، بل إنه ليعيش في أصدقائه الأقربين والأبعدين، وإنه ليعيش في آبائه الذين كانوا وماتوا، وإنه ليعيش في ذريته الذين كانوا وسيكونون، وإنه ليعيش في أحلامه وآلامه وآماله، ويعيش في شبكات من تموجات نفسية دونها بمراحل شبكات التلغرافات والتليفونات، وتتسلط عليه أنواع من الأشعة لا عداد لها.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١١١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١١١