تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لعلنا لا نستطيع أن نستكشف قوانين التجلي إلا إذا عرفنا نوع النفس التي تتلقى هذه الأشعة، وعلمنا كل هذه المؤثرات، وهيهات!!

| أدب اللفظ وأدب المعنى

من قديم اختلف علماء البلاغة: أهي في اللفظ أم في المعنى؟ وقد عقد عبد القادر الجرجاني فصلا ممتعا في آخر كتابه «دلائل الإعجاز» ذكر فيه حجج الفريقين: فقد كان فريق يرى أن المعاني مطروحة أمام الناس، والبليغ من استطاع أن يصوغها صوغا جميلا، وإنما يفاضل الأدباء بجودة السبك وحسن الصياغة. ويرى الفريق الآخر أن المعاني هي مقياس التفاضل، وأن الأديب يفضل الأديب بغزارة معانيه، وحدة أفكاره، وأظن أن الزمان فصل في هذه القضية، إذ أصبح واضحا أن حسن الصياغة، وجودة المعاني، عنصران أساسيان لا بد منهما للأديب، وأن من تجرد من أحدهما لا يسمى أديبا بحال، وأن المثل الأعلى للأديب معان غزيرة سامية، وصياغة جيدة محكمة.

غير أن هناك - ولا شك - مواضع تراعى فيها المعاني أكثر مما يراعى اللفظ وصياغته، كفصول النقد الأدبي، والمقالات العلمية الأدبية، والمقالات التاريخية الأدبية، وتراجم الأشخاص ونحوها؛ فالغاية من هذه الموضوعات ليست اللذة الفنية، وإنما الغرض الأول هو المعاني والحقائق، فيجب أن تكون غزيرة فياضة، وكل ما نتطلبه فيها من اللفظ أن يعبر عن هذه في دقة ووضوح؛ أما القصد إلى محسنات البديع ومجملات الصناعة فلا داعي له، وربما كان إفراط الكاتب في هذه المحسنات حجبا للمعاني عن الأنظار، ومظلة للعقول عن الوصول إلى حقيقة المعاني، وهي أقوم ما في الموضوعات.

وهناك ضرب آخر من الأدب كالشعر والقصص فيه مراعاة اللفظ وحسن السبك في المنزلة الأولى، ولست أعني أن الحقائق والمعاني فيهما مجردة من القيمة، بل هي كذلك من مقدماتها. والشاعر الذي يجيد السبك ولا يجيد المعنى ليس من شعراء الطبقة الأولى. وخير الشعراء من صح حكمه، واتسعت تجارته في الحياة، وكان له علم عميق بكثير من الأشياء التي حوله، ثم صاغ ذلك كله صياغة جميلة. وهكذا الأدب الصرف كالشعر والقصص والقطع الفنية الأدبية. ليس الغرض الأول منه نقل المعاني كما في الصنف الأول، وإنما الغرض منه إثارة عواطف القارىء والسامع.

والألفاظ - كما يظهر لي - لم توضع لنقل العواطف، وإنما وضعت لنقل المعاني، والألفاظ أعجز ما تكون عن نقل عاطفة الأديب إلى القارىء؛ فكيف أنقل إعجابي بالطبيعة أو أنقل حبا ملأ جوانحي، أو غضبا استفزني، أو رحمة ملكت مشاعري؟ لم توضع الألفاظ لشيء من ذلك، إنما وضعت لنقل مقدمات ونتائج منطقية؛ ولكن ما حيلتنا وقد خلقنا عاجزين، لم نمنح لغة العواطف، ولا بد لنا من التعبير عنها ونقلها إلى قارئنا وسامعنا؟ لذلك استخدمنا لغة العقل مرغمين، وأردنا أن نكمل هذا العجز بضروب من الفن، كموسيقى الشعر من وزن وقافية، وكالسجع وكل ضروب البديع، وليس القصد منها إلا أن تكمل نقص الألفاظ في أداء العواطف.

في هذا النوع من الأدب ليس من الضروري أن تكون معانيه جديدة، وربما يستطيع الأديب أن يجعل من المعنى المطروق قصيدة رائعة أو قصة ممتعة، وكل ما فيها من جديد صياغتها الجديدة، وخيالها المبتكر؛ وليست وظيفة الأديب فيها أن يعلم الحقائق، إنما وظيفته أن يثير مشاعر الناس بها، ويعبر عما لا يحسنون التعبير عنه، وإن كانت المعاني في نفوسهم، وبين سمعهم وبصرهم.

كل إنسان يشعر بجمال الوردة، ولكن الأديب يملأ مشاعرك بجمالها، ويوحي إليك بمعان ترتبط بها، مثل اقتران تفتحها بتفتح الشباب، ونشوة الأمل أو ما تبعث من شجن. وجودة الأسلوب وحسن النظم قد يرقيان بالمعاني المألوفة فيخرجانها في شكل جذاب؛ ولكن لا يمكن الأديب على كل حال أن يتبوأ مكانا عاليا إذا اعتمد على الأسلوب وحده وكان مصابا بالفقر العقلي.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١١٢