تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهذا القول صحيح كل الصحة من حيث نصحه للكاتب ألا يكتب إلا ما يعتقده الحق، ولكنه غير صحيح من حيث ألا ينظر إلى ما يترتب على عمله من نتائج. فإن أراد أن الكاتب لا يهتم بنقد ناقد له من جهة الأسلوب ومن جهة العيب عليه والازدراء به ونحو ذلك، فهذا صحيح إلى حد كبير؛ فمتى أرضى الكاتب ضميره وعنى بالموضوع بحثا ودرسا وإخراجا فلا ضير عليه من نقد الناقدين، وعليه ألا يخشى بأسهم، وأن ينتفع بما يوجه إليه من نقد صحيح. أما إن أراد هذا الناصح أن الكاتب يجب ألا يهتم إلا بقول الحق من غير نظر إلى الموضوع الذي يكتبه وما يترتب على كتابته فيه من نتائج فغير صحيح، إذ ليس كل الحق يقال، وليس يقال الحق للناس جميعا في أدوار حياتهم المختلفة؛ فالكاتب الحق أو الفنان الحق يجب أن يسأل نفسه عن مقدار العواطف التي تثيرها كتابته أو فنه؛ فهناك قوم مرضى بأعصابهم، ومرضى بشهواتهم، ومرضى بحياتهم العقلية والاجتماعية، ومن الخطر أن يغذي هؤلاء بأنواع من الأدب تزيد في هياج أعصابهم وشهواتهم، وإن كان ما يقال حقا وصدقا. فنحن إذا طالبنا الأديب ألا يقول إلا الصدق فنحن نطالبه أيضا - لا من الناحية الأدبية بل من الناحية الاجتماعية - ألا يقول إلا الصدق الذي يتفق والصالح العام.

وربما خفي هذا الرأي على بعض الكتاب، فتعرضوا لشرح مخاز اجتماعية في رواياتهم أو مقالاتهم، واحتموا بأنهم يقولون صدقا، ويصغون واقعا، أو كما يفعل بعض كتاب السياسة، لا يتحرجون من أن يقولوا كل ما يعلمون عن خصومهم، واكتفى شرفاؤهم بالوقوف عند الصدق، واعتقدوا أنهم ما لم يختلقوا فقد أرضوا ضمائرهم وبروا بأنفسهم.

وهذا وذاك خطأ بين، فكم من الحقائق لا يصح ذكرها ولا عرضها عرضا أدبيا، وإذا قيلت أو عرضت فلا تقال لكل إنسان وفي كل زمان، وخير الكتاب من لم يعرض من مظاهر الحياة إلا لما يصح عرضه، واتجه في حياته الأدبية إلى أن يصور المثل الأعلى للحياة في صورة واقعية، وسخر قلمه ولسانه وعواطفه لخدمة القومية والإنسانية.

| لحظات التجلي

لكثير من الناس - وخاصة العقليين والروحانيين - لحظات تضيء فيها نفوسهم، حتى كأنها المرأة الصافية، أو الشعلة الملتهبة، كل جانب فيها مضيء، وكل العالم منعكس عليها، يراه فيها كما يرى السماء في الماء.

يحس بهذا الأديب، فتراه حينا وقد غزرت معانيه، وتدفقت عليه من كل جانب، حتى ليحار في الاختيار، ماذا يأخذ وماذا يذر، وبم يفضل بعضها على بعض، وحتى كأنه يغترف من بحر، أو يملي عن حفظ، ويصدر عنه إذ ذاك القول السلس والمعاني الغزيرة، والشعر المتدفق؛ هذه اللحظات هي «لحظات التجلي». وتأتي عليه أوقات وقد جمدت قريحته، وأجدب فكره، يعاني في البحث ما يعاني، ثم لا يأتي إلا بحمأة وقليل ماء، ويصعب عليه القول كأنه يمتح من بئر، أو يستنبط من صخر.

ويحس بهذا الفيلسوف، فيشعر بلحظات تنكشف فيها جوانب من حقيقة هذا العالم فيراها، ويستلذها، ويود أن تدوم، بل يود أن تعاوده الفينة بعد الفينة، ويتمنى أن يشتري عودتها بكل ما ملك، وينفق في ساعة منها كل متع الحياة الدنيا؛ يشعر في هذه اللحظات بذكاء في الفهم، وصفاء في النفس، ولطافة في الحس؛ تكفيه في فهم هذا العالم الإشارة، وتجزئه الإيماءة، يستشف العالم من وراء مظهره، ويلمحه من رموزه، ويشعر إذ ذاك بسمو في العقل، ورقي في الروح، لا يعدل لذتها شيء في الحياة.

ثم تذهب عنه لحظات التجلي على الرغم عنه، فإذا به في بعض أوقاته مظلم الحس، متخلف الذهن، بليد البصيرة، لا يتنبه للحن، ولا يفطن لمغزى، تستعجم عليه المدارك الظاهرة، وتخفى عليه الأشباح الماثلة.

وتختلف لحظات التجلي عند الفلاسفة والصوفية كثرة وقلة، كما يختلف مدى التجلي بعدا وقربا، حتى ليحكى عن «أفلوطين» الفيلسوف الروحاني المشهور أنه حظى بهذه اللحظات بضع مرات في حياته، وحظي بها تلميذه «فورفوريوس» مرة واحدة.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١١٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١١٠