وقد حاولت الشيوعية أن تنظم هذه العلاقة وتقرب هذه المسافة، فنجحت في هذا، ولكن وقعت في الخطأ الذي وقع فيه غيرها من المذاهب الاقتصادية، فتصورت الإنسان كأن ليس له دين ولا عواطف ولا حرية شخصية، وإنما هو حيوان لا يسبح إلا في الدائرة المالية، وفيها عيب آخر وهو أن استبداد أصحاب رؤوس الأموال المتعددين تركز في النظام الشيوعي في يد الحكومة وأعوانها فأصبحت هي الوحيدة صاحبة رأس المال، وكان لها من التحكم في الأفراد وسلب حريتهم ما لم يستطعه أصحاب رؤوس المال المتعددون؛ إذ كان في تعدد الرأسماليين منفذ للعمال؛ إذ ينتقلون من صاحب رأسمال قاسي إلى أقل منه قسوة، وهم أنفسهم يتبارون في التودد للعمال؛ استجلابا للانضمام إليهم والعمل معهم، وليس ذلك موجودا في الشيوعية. •••
نظام الإسلام المالي قد بني على أسس أخرى؛ من أهمها: ربط الحياة الاقتصادية بالحياة الخلقية، بالحياة الاجتماعية، بالحياة الدينية، فلم ينظر إلى الإنسان على أنه مجرد حيوان اقتصادي، بل شرع الأمور المالية بحيث يمتزج الاقتصاد بالقانون بالأخلاق، فإذا كان الربا من الناحية الاقتصادية مباحا، كالبيع إذا كان الربا في حدود معتدلة، فإن الأخلاق لا ترضى عنه من حيث سوء العلاقة بين معطي المال بالربا وآخذه، ولذلك حرمه الإسلام غير ناظر إلى الناحية الاقتصادية وحدها، ثم هو وضع التعاليم الأخلاقية التي تكره الإنسان في اختزان الذهب والفضة من غير أن يعين إخوانه الفقراء من الناس كأن يقول:
والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم .
وقد حارب الإسلام مشكلة المشاكل وهي الإفراط في الغنى، والإفراط في الفقر بوسائل شتى؛ منها: ما ذكرنا من تحبيب الناس بعضهم في بعض، وعطف الغني على الفقير، والنظر إلى الجانب الخلقي بجانب النظر إلى الجانب المالي، ووردت في ذلك الآيات الكثيرة والأحاديث الكثيرة التي تشعر الإنسان بأخيه الإنسان وتحببه إليه وتحننه عليه.
ومن ذلك أيضا أنه حرم الإفراط في الملاذ وطلب الاعتدال فيها، ناظرا إلى أن الغني إذا لم يفرط في ملاذه ولم يجد منافذ للإنفاق الكثير في شهواته، ولم يجد المال نافعا في الانغماس في نعيمه، تحول بالضرورة إلى النظر إلى الفقراء ومساعدتهم ومعونتهم، فمثلا حرم على الرجال لبس الحرير والتحلي بالذهب، وكره الأناقة في المساكن والملابس، وحبب إلى المؤمنين التخشن حتى لا يفقدوا رجولتهم، وحرم الخمر والميسر والزنا، وكلها من قبل الإفراط في اللذات، حتى لا يستتبع ذلك الجشع في طلب المال، والحرص على اكتنازه.
ثم فرض الزكاة ويعجبني تسمية الإسلام الزكاة بهذا الاسم، فهو اسم خير من كلمة الضريبة ونحوها من كلمات؛ لأنها إلى أن إخراج الزكاة تطهير للمال الباقي، فكأن المال المكنوز نجس لا تطهره إلا الزكاة
خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها ، وهذا القدر من الزكاة هو 2,5٪ قد يكون قدرا ضئيلا ولكنه هو القدر القانوني، وبجانب ذلك، القدر الكبير الأخلاقي وهو الإحسان، وهذا لا حد له، وإنما هو موكول إلى ضمير الشخص وخلقه وعطفه وميوله الدينية والخلقية التي يحاول الإسلام أن يغرسها وينميها باستمرار.
ومن ذلك أيضا نظام الإرث، فكثير من النظم الأوربية حصرت الإرث في الأبن الكبير أو نحو ذلك، فكانت الثروة مجموعة تنتقل من شخص إلى شخص وهي بعينها لا ينقص منها شيء، أما نظام الإسلام فوزعها وجعل لكل من الأولاد ذكورا وإناثا نصيبا منها، وكذلك للأب والأم والزوج والزوجة، إلى غير ذلك، فكان هذا عاملا كبيرا في انقسام الثروة وتوزيعها على عدد كبير من الناس، وتقريبا للمسافات البعيدة بين الغنى المفرط والفقر المفرط. •••
فلو تصورنا مجتمعا سادت فيه هذه التعاليم، وخضع فيه النظام الاقتصادي للسلوك الأخلاقي، وحرم فيه على الأغنياء أن يسرفوا في الملاذ والملاهي، وفرض عليهم جزء قانوني من المال يصرف في وجوه البر، والأخذ بيد الفقير، إلى مال لا حد له يصرفه الغني لمساعدة الفقير يسمى إحسانا، إلى توزيع الثروة توزيعا كبيرا بين أفراد متعددين، لكان مجتمعا قد تبرأ من حقد الفقراء على الأغنياء، وعسف الأغنياء بالفقراء، ولكان مجتمعا تتقارب طبقاته، فلا فقير مدقع ولا غني جشع، ولكان مجتمعا قد حل أهم المشاكل التي عجز الاقتصاد وحده عن أن يحلها، ولكن مع الأسف، مبادئ سليمة لم تجد من يطبقها، وآراء قويمة أهملت وسار المسلمون أنفسهم على ضدها.