الحق أن الإسلام خير من أهله.
| الحياة الروحية
يغرق العالم اليوم من أطراف صوابعه إلى أعلى مفرقة في الماديات، فالمال عنده كل شيء، ولا قيمة للروحانيات، وكل شيء يقوم بالمال ومضاعفاته ومشتقاته، والحروب إنما تقام للمال، والتعليم إنما يتجه للمال، ويعد ما يدر مالا خير، وما يفقد مالا شر، حتى إنك لو قدمت وردة جميلة لصديق أو صديقة نظر إلى ذلك باعتبار أن الوردة بكم تقدر، أما ما حول ذلك من جمال الوردة، وعاطفة الحب أو الصداقة، ومقدار سرور المهدى إليه الوردة، والباعث عليه من المهدي، فلا يقوم لأنه روحاني، وهكذا انقلبت كل المعاني إلى مادية، وعملت المادية في إعلان الحرب وإعلان السلم، حتى أخشى أن تكون المساجد والكنائس أصبحت هي الأخرى مادية، كما أخشى أن يكون كبار الأدباء في العالم قد انقلبوا أيضا ماديين تبعا لعصرهم، فالمجلة يكتب فيها أو لا يكتب باعتبار الأجر، والمقالات أو الكتب تقدر بعدد الصفحات أو تقدر باعتبار شهرة قائلها وكاتبها ، وكل هذا انحدار في المادية، والكاتب السليط اللسان القادر على الهجاء، يقدر أكثر مما يقدر الأديب العف اللسان، العاجز تمام العجز عن السباب، والكتاب الذي يلذع أو يثير الشهوة، أو يثير الحسد، أو يهيج النفوس أو هو مملوء بالشتائم أو يعلم السباب، خير من الكتاب المؤدب المتورع عن الهمز واللمز إلى غير ذلك، وبلغ الحد أن صار كثير من الكتاب يخجلون من الكتابة في الروحانية ويفخرون بكتابتهم في المادية، ولا يفرقون بين معان روحانية ومعان خرافية، وكان مثلهم كقول أبي العلاء:
إذا قلت المحال رفعت صوتي
وإن قلت الصحيح أطلت همي
ولا تكاد تجد في العالم روحانيا يجهر بروحانيته إلا نادرا، ويخيل إلي أن حياة الناس اليومية قسمان: مادية وروحانية، هما كجسم الإنسان ونفسه، وكثير يفهمون أن الروحانية لا تكون إلا بعد الموت في الحياة الأخرى، ولكني أعتقد أن الروحانية في الدنيا والأخرى معا، وكل عمل في الحياة له جانبان، والأنبياء والصالحون والصوفيون يعيشون بين الماديين عيشة روحانية قوية كاملة.
وقد يعمل اثنان عملا واحدا، وباعث أحدهما روحاني، وباعث الآخر مادي، بل قد يتقارب اثنان في أرواحهما على البعد، ويتباعد اثنان في أرواحهما على القرب، فالمسافة ليست عاملا في هذا الموضوع، وصدق النبي في عظم تقديره للنية، وقوله: «إنما الأعمال بالنيات»، فكانت نتيجة ذلك تقويم العلل بالباعث لا بالنتيجة.
والعالم مملوء بما يغذي الروح، كما هو مملوء بما يغذي المادة، فيغذي المادة شهواتها وطمعها، وانتقامها وغلبتها وانقلابها، إلى كثير من أمثال ذلك كما يغذي الروح دينه، ومظاهر نبله، والأعمال الجليلة التي يقوم بها، وما يراه من انهزام المادة وشراهتها وضراوتها، وأنها بالنسبة له كالقزم بالنسبة للعملاق، ألم يكن ما شهدناه في العهد الماضي من فساد نتيجة لتقويم المادية تقويما أكبر من حقيقتها، فما المال، وما سبائك الذهب، وما الأطيان تعد بآلاف الأفدنة، وما المجوهرات العديدة، وما السعي الدائب في تحقيق مصلحة خاصة، في نظير مال يدفع، وما الذل للظالم، وتمهيد السبيل له لرتبة ينالها، أو مال يحصل عليه؟
إن الروحاني إذا سما، ونظر إلى العالم من طائرة، سخر من العالم المادي وتكالب الناس عليه، يحكى أن غنيا كبيرا وعد أن يعطي فلاحه الصغير أرضا بمقدار ما يجري، على أن يرجع قبل غروب الشمس، فجرى وكلما جرى ازداد طمعا في الأرض التي بعدها، فجرى أكثر مما جرى، حتى إذا قاربت الشمس الغروب بدأ يعود، واستحثه قرب الغروب على سرعة العدو، فمن كثرة عدوه انبت، فلا مال اقتنى، ولا هو أبقى على نفسه، والحكاية تمثل حياة أكثر الناس، يصرفون أكبر همهم إلى الاقتناء، ويتعبون في ذلك بما لا يقدر، ثم تكون النتيجة حفرة ضيقة، يرقد فيها من غير جزاء ولا شكور.