تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

من أجل هذا كان من رأي كثير من المصلحين في الشرق، أن يوجهوا عنايتهم إلى حالته الاقتصادية، وأن يقدموا ذلك على الإصلاح الاجتماعي والسياسي، فلو أصلحت، أصلحت الحياة الاجتماعية والسياسية، ودليلهم على ذلك أن الشرق متأخر في زراعته، فليست مبنية على العلم بل هي مبنية على التقليد القديم والأوضاع الموروثة، وإذا سلط العلم على الزراعة أمكن أن ينتج الشرق من زراعته أضعاف ما ينتج الآن، وكذلك الشأن في معادنه المدفونة في أرضه وصناعته البدائية وما إلى ذلك، فالشرق غني ولكن لا يجد الرأس المفكر والهمة الحازمة والشركات الممولة واليد العاملة، ولو أنه أتيح له كل ذلك لكثرت أمواله وزاد غناه، فنشأ عن ذلك محو الفقر المدقع ، وارتفع مستوى المعيشة، ثم نتج عن ذلك انتشار العلم وانتشار وسائل المدنية، ورقي الصناعة، بل لنشأ عن ذلك أيضا إصلاح السياسة، فالرأي العام الفقير الجاهل ليس له من القوة ما للرأي العام الغني المثقف، وفي قولهم هذا كثير من الصحة، فإني أعتقد أن الأعداء الثلاثة وهي: الفقر والجهل والمرض تزول كلها بزوال الفقر، والفقر يزول بتنظيم الحياة الاقتصادية. •••

والأرض التي خلقها الله تكفلت بتقديم الضروريات لجميع أبنائها إذا عقلوا، وقد كان الإنسان الأول مكفي الحاجة قليل الجهد في الحصول على ضروريات حياته، فهو يعتمد على ما يجده من أثمار الأشجار أو من الصيد، ويلبس ما ينتجه الحيوان، ويسكن الكهوف، ولا يحس أي إحساس بأزمة مالية، ولكن شاء الله أن يخلق الإنسان طموحا إلى تحسين حاله، راغبا بطبيعته في الحياة الاجتماعية، مضطرا إلى القرار ما أمكن بحكم تربية أولاده الذين يتطلبون في تربيتهم زمنا أطول مما تقتضيه تربية الحيوان، إلى غير ذلك، فزرع الأرض وكلما تقدم الزمن زادت مطالب الحياته، وتأنق في مسكنه وملبسه ومأكله، وكان بحكم الطبيعة أن تفاوت الناس في القدرة على الكسب، فزكي وغبي، وماهر وأخرق، وبعيد النظر وسفيه، وفيلسوف ومغفل، إلى غير ذلك، فكان من ذلك اختلاف الثروات، ومن يعيش عيشة سعيدة، ومن يعيش عيشة شقية، ومن يجد فوق حاجته، ومن لا يجد حاجته، وكلما تقدمت المدنية زادت هذه الأمور تعقيدا، وفكر في الحلول لها، ووضعت المقترحات والنظم الاقتصادية لحلها وتنظيمها.

وكان أكبر العقبات الفروق الكبيرة في الثروة، واستبداد الغني بالفقير، والقادر بالعاجز، وصاحب رأس المال بالعامل، وعلى هذه الحلول والمذاهب الاقتصادية انقسمت الأمم الأوربية إلى رأسمالية وشيوعية وفاشية، ولكن مع الأسف ليس حل منها أراح الناس ولا حل المشاكل، وأسباب فشلها كثيرة، منها: ان النظام الاقتصادي نظر إليه كأنه مستقل بنفسه، كأن الإنسان حيوان اقتصادى فقط، ليس له خلق ولا عقل ولا روح، فالذين يكتبون في الاقتصاد يوجهون كل همهم إلى المسائل الاقتصادية مجردة من النظرات الأخلاقية والإنسانية، ويحاولون حل مسائلهم من هذه الزاوية وحدها، فمثلهم مثل المهندس الذي يضع كل همه في إصلاح الحائط المائل من غير أن يلتفت أي التفات إلى بناء البيت كله، أو كالطبيب الذي يداوي المعدة من غير أن ينظر إلى علاقة المعدة بالجسم كله، فالإنسان منتج ومستهلك من حيث الاقتصاد، ولكن له بجانب ذلك ناحية خلقية، وناحية اجتماعية وناحية روحية، وكلها تنتج الإنسان كإنسان، فالنظر إليه من ناحية واحدة نظر لا يجدي، من أجل هذا كان سلوك الناس الخلقي ضربة مميتة للحياة الاقتصادية، فالأغنياء الذين تكدست عندهم الثروة لم ينظروا إلا إلى أنفسهم، فتوسعوا في وسائل الملاذ، وبحثوا كل يوم عن مصدر جديد للذة، وتفننوا كل التفنن في أثاث البيت ومطعمه وأدوات زينته تفننا عز عن الوصف من غير التفاتة إلى إخوانهم الفقراء الذين لا يجدون ضروريات العيش، فنشأ عن ذلك الصراع الشديد بين طبقات الفقراء وطبقات الأغنياء، وكراهية كل لكل.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١١٠٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١١٠٦