يقول: إن النفس تبكي البدن وتحزن عليه إذا فارقته، كما حزنت عند حلولها فيه.
حتى إذا قرب الرحيل إلى الحمى
ودنا الرحيل إلى الفضاء الأوسع
وغدت مفارقة لكل مخلف
عنها أليف الترب غير مشيع
هجعت وقد كشف الغطاء وأبصرت
ما ليس يدرك بالعيون الهجع
أي النفس لما قاربت مفارقتها للبدن، وقطعت العلائق الجسمانية بالموت، وغدت مفارقة للبدن وتوابعه، وقطع العلائق والأسباب بينها وبينه، هجعت أي نامت، وكشف عنها الغطاء، فأبصرت ما لم تكن تبصر من قبل، ورأت بعين بصيرتها ما لم تكن تدركه بالعيون في اليقظة.
وفي ذلك يقول رسول الله
صلى الله عليه وسلم : «الناس نيام، فإذا ماتوا تنبهوا».
وغدت تغرد فوق ذروة شاهق
والعلم يرفع كل من لم يرفع
والتغريد التطريب بالصوت، أي أن النفس بعد مفارقتها للبدن علمت ما لم تكن تعلم، وسرت بخلاصها من بدنها الذي كان يمنعها عن العلم.
فلأي شيء أهبطت من شامخ
عال إلى قعر الحضيض الأوضع؟
يسأل عن الحكمة الباعثة لتعليق النفس بالبدن ومرور هذه الدورة من هبوط واتصال البدن، ثم انفصال عنه ثم عودتها إلى ما كانت عليه.
إن كان أهبطها الإله لحكمة
طويت على الفذ اللبيب الأروع
فهبوطها لا شك ضربة لازب
لتكون سامعة لما لم تسمع
وتعود عالمة بكل خفية
في العالمين فخرقها لم يرقع
أي أنها لو كانت هبطت لحكمة خفيت عنا، فهبوطها كان لازما لتعلم ما لم تكن تعلم، وتعود عالمة بالأسرار الخفية في عالم الغيب والشهادة، وقد كانت تعلم عالم الغيب فقط.
وهي التي قطع الزمان طريقها
حتى لقد غربت بغير المطلع
يقول: إنما كان مراد النفس من الهبوط تحصيل مأربها من علم عالم الشهادة، وتنفصل عن البدن بصفة لم تكن وقت التعلق؛ وذلك أنها في حين التعلق كانت ساذجة لا تعرف الكمال ولا النعيم، فعرفته حين اتصلت بالجسم.
فكأنها برق تألق بالحمى
ثم انطوى فكأنه لم يلمع
أي أن النفس في سيرتها هذه كأنها برق خاطف، تألق حينا قليلا حتى كأنه لم يلمع.
وهنا تنتهي القصيدة، وصف للنفس واتصالها بالجسم كارهة، ودخولها في البدن كارهة، وخروجها عنه كارهة، فلم كان هذا الدخول وهذا الخروج؟ يقول: إن دخولها في الجسم كان سببا في علمها ما لم تعلم من العالم الأرض بعد العالم السماوي، وتعديل رأيها في معنى الكمال، فهو قد وصف أدوار النفس ومراحلها من هبوط فاتصال فصعود، فانكشاف لما لم يكن يعلم، فحيرة في رحلتها هذه، فإجابته بأنها قد اكتشفت بهذه الرحلة علما فوق علمها وإدراكا فوق إدراكها، وهذه حكمة الخلق من حياة وموت.
فكرة فلسفية لطيفة في شعر لطيف، وقد كان البحث في النفس والوجود والعدم مثارا لكلام طويل، وحيرة شديدة، وقد تعرض له ابن الشبل البغدادي أيضا في قصيدته: «بربك أيها الفلك المدار ... إلخ»، وحار هذه الحيرة، وتساءل هذا السؤال، فهي تصور لنا مرحلة من مراحل المسلمين في التفكير.
ومن الأسف أنه إلى الآن لم تنكشف حقيقة هذه النظرية الغامضة، وبقيت غامضة اليوم كما كانت غامضة بالأمس، ولم تتقدم المعرفة الإنسانية لتحكم أصحيح هذا أم خطأ؛ وذلك لأن هذا لا يحل بالعلم؛ إذ ليس هذا من دائرته، وإنما هو من دائرة الدين، والله أعلم.
| النظام المالي في الإسلام
النظام المالي في كل أمة أساس عظيم لحياتها الاجتماعية، فإن رأيت أمة متقدمة في المدنية والحضارة، وفي العلوم والفنون، وفي المخترعات ووسائل النقل والمواصلات، وعلو مستوى المعيشة بين أفرادها، فاعلم أن ذلك ناتج من حسن نظامها المالي، وإن رأيت الفقر المدقع منتشرا بين جمهورها، وهي منحطة في زراعتها وعلومها وفنونها، فاعلم أن ذلك يرجع أولا إلى سوء نظامها الاقتصادي؛ ولذلك قومت المدنية الغربية الأمور الاقتصادية تقويما كبيرا، بل جعلتها أساسا يؤثر في نظامها السياسي، ونظامها الاجتماعي، ووجد المتخصصون في المسائل الاقتصادية والتعمق في بحثها، وإفرادها بعلم يسمى «علم الاقتصاد»، له الشأن الأول بين العلوم.